وبنيه (1) على الدولة إليهم، فسخطتهم القلوب، وخزرتهم العيون، ولو لا ما لهم من العصبية لاستأصلهم الناس، ولغطت ألسنة الدهماء من أهل المدينة بكراهتهم. وأمر المهدي أن لا يركبوا ولا يتسلّحوا، وردّ بعض رؤسائهم في بعض الأيام من باب القصر، فانتهبت العامّة دورهم، وشكا بعضهم إلى المهدي ما أصابهم، فاعتذر إليهم وقتل من اتّهم من العامّة في أمرهم، وهو مع ذلك مظهر لبغضهم، مجاهر بسوء الثناء عليهم. وبلغهم أنّه يريد الفتك بهم، فتمشّت رجالاتهم، وأسرّوا نجواهم، واشتوروا في تقديم هشام بن سليمان ابن أمير المؤمنين الناصر، وفشا في الخاصّة حديثهم، فعوجلوا عن مرامهم ذلك، وأغرى بهم السواد الأعظم، فثاروا بهم، وأزعجوهم عن المدينة. وتقبض على هشام وأخيه أبي بكر، وأحضرا بين يدي المهدي، فضرب أعناقهما. ولحق سليمان ابن أخيهما الحكم بجنود البربر، وقد اجتمعوا بظاهر قرطبة وتوامروا، فبايعوه ولقّبوه المستعين بالله، ونهضوا به إلى ثغر طليطلة، فاستجاش بابن أذفونش (2) ، ثم نهض في جموع البرابرة والنصرانية إلى قرطبة، وبرز إليه المهدي في كافّة أهل البلد وخاصّة الدولة، فكانت الدائرة عليهم، واستلحم منهم ما يزيد على عشرين ألفا، وهلك من خيار الناس وأئمّة المساجد وسدنتها ومؤذّنيها عالم. ودخل المستعين قرطبة ختام المائة الرابعة. ولحق المهديّ بطليطلة. واستجاش بابن أذفونش ثانية، فنهض معه إلى قرطبة، وهزم المستعين والبرابرة بعقبة البقر من ظاهر قرطبة، ودخل قرطبة ـ أعني المهدي ـ وملكها. وخرج المستعين مع البربر، وتفرّقوا في البسائط ينهبون ولا يبقون على أحد. ثم ارتحلوا إلى الجزيرة الخضراء، فخرج المهديّ ومعه ابن أذفونش (3) لاتّباعهم، فكرّوا عليهم، فانهزم المهدي وابن أذفونش ومن معه من المسلمين والنصارى، واتّبعهم المستعين إلى قرطبة، فأخرج المهدي هشاما المؤيّد للناس، وبايع له، وقام بأمر حجابته، ظنّا منه أنّ ذلك ينفعه، وهيهات! وحاصرهم المستعين والبربر، فخشي أهل قرطبة من اقتحامهم عليهم، فأغروا أهل القصر وحاشية المؤيد بالمهديّ وأنّ الفتنة إنّما جاءت من قبله، وتولّى كبر ذلك واضح العامري، فقتلوا المهدي، واجتمع الكافّة على المؤيّد، وقام واضح بحجابته. واستمرّ الحصار، ولم يغن عن أهل قرطبة ما فعلوه شيئا، إلى أن هلكت القرى والبسائط بقرطبة، وعدمت المرافق، وجهدهم الحصار. وبعث المستعين إلى أهل ابن أذفونش يستقدمهم لمظاهرته (4) ، فبعث إليهم هشام وحاجبه واضح يكفّونهم عن ذلك، بأن ينزلوا لهم عن ثغور قشتالة التي كان المنصور
(1) في أ: المنصور وغيره.
(2) خزره: نظر إليه بلحظ عينه.
(3) استجاش بابن أذفونش: طلب منه جيشا.
(4) يستقدمهم لمظاهرته: يطلب منهم القدوم لمساعدته.