الصفحة 338 من 1671

وقائده ابن همشك بفحص غرناطة، وقد استعان ابن مردنيش بالنصارى على الموحّدين، فهزمهم عبد المؤمن، وقتلهم أبرح قتل، واستخلص غرناطة سنة سبع وخمسين وخمسمائة من يد ابن مردنيش. وولي الأمر بعد عبد المؤمن ابنه يوسف، وأجاز إلى الأندلس، وكانت له مواقف في جهاد العدوّ، وولي بعده ابنه يعقوب المنصور الطائر الصيت، وكانت له في النصارى بالأندلس نكاية كبيرة، ومن أعظمها غزوة الأرك (1) التي تضاهي وقعة الزلّاقة أو تزيد، والأرك: موضع بنواحي بطليوس، وكانت سنة إحدى وتسعين وخمسمائة، وغنم فيها المسلمون ما عظم قدره، وكان عدّة من قتل من الفرنج ـ فيما قيل ـ مائة ألف وستّة وأربعين ألفا، وعدّة الأسارى ثلاثين ألفا، وعدّة الخيام مائة ألف وخمسين ألف خيمة، والخيل ثمانين ألفا، والبغال مائة ألف، والحمير أربعمائة ألف، جاء بها الكفّار لحمل أثقالهم لأنهم لا إبل لهم، وأما الجواهر والأموال فلا تحصى، وبيع الأسير بدرهم، والسيف بنصف درهم، والفرس بخمسة دراهم، والحمار بدرهم، وقسّم يعقوب الغنائم بين المسلمين بمقتضى الشرع، ونجا ألفنش ملك النصارى إلى طليطلة في أسوإ حال، فحلق رأسه ولحيته، ونكس صليبه، وآلى أن لا ينام على فراش، ولا يقرب النساء، ولا يركب فرسا ولا دابّة، حتى يأخذ بالثأر، وصار يجمع من الجزائر والبلاد البعيدة ويستعدّ، ثم لقيه يعقوب وهزمه وساق خلفه إلى طليطلة وحاصره ورمى عليها بالمجانيق وضيّق عليها، ولم يبق إلّا فتحها، فخرجت إليه والدة الأذفونش وبناته ونساؤه وبكين بين يديه، وسألنه إبقاء البلد عليهنّ، فرقّ لهنّ، ومنّ عليهنّ بها، ووهب لهنّ من الأموال والجواهر ما جلّ، وردّهنّ مكرمات، وعنا بعد القدرة، وعاد إلى قرطبة، فأقام شهرا يقسم الغنائم، وجاءته رسل ألفنش بطلب الصلح، فصالحه، وأمّن الناس مدّته، وفيه يقول بعض شعراء عصره: [الكامل]

أهل بأن يسعى إليه ويرتجى ... ويزار من أقصى البلاد على الرّجا ...

من قد غدا بالمكرمات مقلّدا ... وموشّحا ومختّما ومتوّجا ...

عمرت مقامات الملوك بذكره ... وتعطّرت منه الرّياح تأرّجا

ولمّا أرسل له السلطان صلاح الدين بن أيوب شمس الدين بن منقذ يستنجد به على الفرنج الخارجين عليه بساحل البلاد المقدّسة، ولم يخاطبه بأمير المؤمنين، لم يجبه إلى ما طلبه، وكل ذلك في سنة 587، ومدحه ابن منقذ بقوله من قصيدة: [الكامل]

(1) الأرك: حصن منيع قريب من قلعة رباح. (انظر صفة جزيرة الأندلس صفحة 12) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت