الصفحة 378 من 1671

ثم آل الأمر بعد ذلك كله إلى استيلاء ملوك العدوة من الملثمين والموحّدين، على قرطبة، إلى أن تسلمها النصارى، أعادها الله تعالى للإسلام! كما يذكر في الباب الثامن.

وقال صاحب «مناهج الفكر» في ذكر قرطبة، ما ملخصه: فأما ما اشتمل عليه غرب الجزيرة، من البلاد الخطيرة، فمنها قرطبة، وكانت مقر الملك، ودار الإمارة، وأمّ ما عداها من البلاد، منذ افتتحها المسلمون سنة 92 زمن الوليد بن عبد الملك إلى أن خرجت عن أيديهم، وتنقلت في أيدي ملوك المسلمين إلى أن وصلت إلى الناصر عبد الرحمن، فبنى في تجاهها مدينة سماها الزهراء، يجري بينهما نهر عظيم، انتهى.

واعلم أن المباني دالة على عظيم قدر بانيها، كما ذكرناه في كلام الناصر الذي طابت له من الزهراء مجانيها، ولم يزل البلغاء يصفون المباني، بأحسن الألفاظ والمعاني، ورأينا أن نذكر هنا بعض ذلك، زيادة في توسيع المسالك، فمن ذلك قول ابن حمديس الصقلي (1) يصف دارا بناها المعتمد على الله (2) : [الطويل]

ويا حبّذا دار قضى الله أنّها ... يجدّد فيها كلّ عزّ ولا يبلى (3) ...

مقدّسة لو أن موسى كليمه ... مشى قدما في أرضها خلع النّعلا ...

وما هي إلّا خطّة الملك الّذي ... يحطّ إليه كلّ ذي أمل رحلا (4) ...

إذا فتحت أبوابها خلت أنّها ... تقول بترحيب لداخلها أهلا ...

وقد نقلت صنّاعها من صفاته ... إليها أفانينا فأحسنت النّقلا ...

فمن صدره رحبا ومن نوره سنى ... ومن صيته فرعا ومن حلمه أصلا ...

فأعلت به في رتبة الملك ناديا ... وقلّ له فوق السّماكين أن يعلى ...

نسيت به إيوان كسرى لأنّني ... أراه له مولى من الحسن لا مثلا ...

كأنّ سليمان بن داود لم تبح ... مخافته للجنّ في صنعه مهلا

(1) ابن حمديس الصقلي: هو عبد الجبار بن أبي بكر بن محمد بن حمديس. ولد ونشأ في سرقوسة ثم هاجر إلى الأندلس، ومدح المعتمد بن عباد إلى أن عزل عن ملكه، فغادر الشاعر الأندلس إلى المغرب، وظل يتنقل إلى أن توفي سنة 527 ه‍. (انظر مقدمة ديوانه ط صادر بيروت) .

(2) انظر ديوان الشاعر ص 375 ـ 380.

(3) البيت في الديوان:

ويا حبذا دار يد الله مسحت ... عليها بتجديد البقاء فما تبلى

(4) في ب: يخطّ إليه كل ذي أمل رجلا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت