الصفحة 390 من 1671

لا يعرف الباحث عنه له حدا، وذلك لشدة ولوع النفوس بذكر أحبابها وحنينها إلى أماكنها التي هي مواطن أطرابها، ولهذا اقتصرنا على هذه النبذة القليلة، وجعلناها نغبة (1) يشفي المشوق بها غليله، وقد كره بعض العقلاء التأسف على الديار لعلمهم أنه لا يجدي، ولا يدفع عادية الدهر الخؤون ولا يعدي، ونهوا عنه لما فيه من تجديد المصاب، المجرع لصاحبه الصاب والأوصاب (2) .

قال أبو عمر بن عبد البر: [الكامل]

عفت المنازل غير أرسم دمنة ... حيّيتها من دمنة ورسوم ...

كم ذا الوقوف ولم تقف في منسك ... كم ذا الطّواف ولم تطف بحريم ...

فكل الدّيار إلى الجنائب والصّبا ... ودع القفار إلى الصّدى والبوم

(3) انتهى كلامه رحمه الله تعالى بأكثر لفظه مع بعض اختصار.

رجع إلى قرطبة ـ فنقول: وقد ألم لسان الدين بن الخطيب رحمه الله تعالى بذكر قرطبة وبعض أوصافها في كتاب له كتبه على لسان سلطانه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد ذكرناه بجملته في الباب الخامس من القسم الثاني فليراجع ثمّة (4) ، ونص محل الحاجة منه هنا: ثم كان الغزو إلى أم البلاد، ومثوى الطارف والتّلاد، قرطبة، وما قرطبة؟ المدينة التي على عمل أهلها في القديم بهذا الإقليم كان العمل، والكرسيّ الذي بعصاه رعي الهمل، والمصر [المعمور (5) ] الذي في خطه (6) الناقة والجمل، والأفق الذي هو لشمس الخلافة العبشمية الحمل (7) ، فخيم الإسلام في عقرتها المستباحة (8) ، وأجاز نهرها المعيي على السباحة، وعم دوحها الأشب بوارا، وأدار المحلات بسورها سوارا، وأخذ بمخنّقها حصارا، وأعمل النصر بشجرة أصلها اجتناء ما شاء واهتصارا، وجدّل من أبطالها من لم يرض انجحارا (9) ، فأعمال إلى المسلمين

(1) في ج: نبعة، والنبغة: الجرعة.

(2) الصاب: شجر مر الطعم. والأوصاب: جمع وصب، وهو المرض، والألم الدائم.

(3) الجنائب: جمع جنوب، وهي الريح التي تهب من ناحية الجنوب.

(4) ثمة: هناك.

(5) في ب: ما بين حاصرتين غير موجود.

(6) في ب: الذي له في خطة.

(7) العبشمية: النسبة إلى عبد شمس.

(8) في ب: عقوتها المستباحة.

(9) الانجحار: الدخول في الجحر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت