الصفحة 441 من 1671

إنّ البناء إذا تعاظم شأنه ... أضحى يدلّ على عظيم الشّان

قال: فما أدري أهذا شعره أم تمثل به؟ فإن كان شعره فقد بلغ به إلى غاية الإحسان وإن كان تمثل به فقد استحقه بالتمثل به في هذا المكان، وكان منذر يكثر تعنيفه (1) على البنيان، ودخل عليه مرة وهو في قبة قد جعل قرمدها من ذهب وفضة، واحتفل فيها احتفالا ظن أن أحدا من الملوك لم يصل إليه، فقام خطيبا والمجلس قد غصّ بأرباب الدولة، فتلا قوله تعالى (وَلَوْ لا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً لَجَعَلْنا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فِضَّةٍ وَمَعارِجَ عَلَيْها يَظْهَرُونَ) (33) [الزخرف: 33] الآية وأتبعها بما يليق بذلك، فوجم الملك، وأظهر الكآبة، ولم يسعه إلا الاحتمال لمنذر بن سعيد لعظم قدره في علمه ودينه.

وحضر معه يوما في الزهراء، فقام الرئيس أبو عثمان بن إدريس فأنشد الناصر قصيدة منها. [الطويل]

سيشهد ما أبقيت أنّك لم تكن ... مضيعا وقد مكّنت للدّين والدّنيا ...

فبالجامع المعمور للعلم والتّقى ... وبالزّهرة الزّهراء للملك والعليا

فاهتز الناصر، وابتهج، وأطرق منذر بن سعيد ساعة، ثم قام منشدا: [السريع]

يا باني الزّهراء مستغرقا ... أوقاته فيها أما تمهل ...

لله ما أحسنها رونقا ... لو لم تكن زهرتها تذبل

فقال الناصر: إذا هب عليها نسيم التذكار والحنين، وسقتها مدامع الخشوع يا أبا الحكم لا تذبل إن شاء الله تعالى، فقال منذر: اللهم اشهد أني قد بثثت ما عندي ولم آل نصحا، انتهى.

ولقد صدق القاضي منذر رحمه الله تعالى فيما قال، فإنها ذبلت بعد ذلك في الفتنة، وقلب ما كان فيها من منحة محنة، وذلك عندما ولي الحجابة عبد الرحمن بن المنصور بن أبي عامر الملقب بشنجول، وتصرف في الدولة مثل ما تصرف أخوه المظفر وأبوهما المنصور، فأساء التدبير، ولم يميز بين الفتيل والنقير (2) ، فدس إلى المؤيد هشام بن الحكم من خوّفه منه حتى ولاه عهده كما بينا نص العهد فيما سبق، فأطبق الخاصة والعامة على بغضه، وإضمار السوء له، وذلك سنة ثمان وتسعين وثلاثمائة، فعند ذلك خرج عليه محمد بن هشام بن

(1) في ب: تعنيته على البنيان.

(2) الفتيل: الخيط من شق النواة أو البذرة. والنقير: الحفرة الصغيرة التي تكون في بذرة التمر، وفي ب: القبيل والدبير.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت