الصفحة 443 من 1671

الزاهرة قصره العظيم، وسماه «دار الروضة» وجلب الماء إلى قصورهم من الجبل واستدعى عرفاء المهندسين والبنائين من كل قطر، فوفدوا عليه حتى من بغداد والقسطنطينية، ثم أخذ في بناء المستنزهات (1) ، فاتخذ منية الناعورة خارج القصور، وساق لها الماء من أعلى الجبل على أبعد مسافة، ثم اختط مدينة الزهراء، واتخذها لنزله، وكرسيا لملكه، وأنشأ فيها من المباني والقصور والبساتين ما عفّى على مبانيهم الأولى، واتخذ فيها محلات للوحش فسيحة الفناء، متباعدة السياج، ومسارح للطيور مظللة بالشباك، واتخذ فيها دورا لصناعة الآلات من آلات السلاح للحرب والحلى للزينة وغير ذلك من المهن، وأمر بعمل الظلة على صحن الجامع بقرطبة وقاية للناس من حر الشمس، انتهى.

وأما الزهراء فهي من مباني المنصور محمد بن أبي عامر.

قال ابن خلدون في (2) أثناء كلامه على المنصور ما صورته (3) : وابتنى لنفسه مدينة لنزله سماها الزاهرة، ونقل إليها جزءا من الأموال والأسلحة، انتهى.

وقال غيره، وأظنه صاحب المطمح: وفي سنة ثمان وستين وثلاثمائة أمر المنصور بن أبي عامر ببناء الزاهرة، وذلك عندما تكامل (4) واستفحل أمره، واتقد جمره (5) ، وظهر استبداده، وكثر حسّادة وأضداده (6) وأنداده، وخاف على نفسه في الدخول إلى قصر السلطان، وخشي أن يقع في أشطان (7) ، فتوثق لنفسه، وكشف له ما ستر عنه في أمسه، من الاعتزاز عليه، ورفع الاستناد إليه، وسما إلى ما سمت إليه الملوك من اختراع قصر ينزل فيه، ويحله بأهله وذويه، ويضم إليه رياسته، ويتم به تدبيره وسياسته، ويجمع فيه فتيانه وغلمانه، فارتاد موضع مدينته المعروفة بالزاهرة، الموصوفة بالقصور الباهرة، وأقامها بطرف البلد على نهر قرطبة الأعظم، ونسّق فيها كل اقتدار معجز ونظم، وشرع في بنائها في هذه السنة المؤرخة، وحشد الصناع والفعلة، وجلب إليها الآلات الجليلة، وسربلها بهاء يرد الأعين كليلة، وتوسع في اختطاطها، وتولّع بانتشارها في البسيطة وانبساطها، وبالغ في رفع أسوارها، وثابر على تسوية أنجادها وأغوارها، فاتسعت هذه المدينة في المدة القريبة، وصار بناؤها من الأنباء الغريبة، وبنى معظمها في عامين.

(1) في ب، ه: المنتزهات.

(2) في: غير موجودة في ب.

(3) ابن خلدون ج 4 ص 188.

(4) تكامل و: غير موجودة في ب.

(5) اتقد جمره: أي علا شأنه.

(6) وأضداده: غير موجودة في ب.

(7) أشطان: جمع شطن، وهو الحبل الطويل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت