الصفحة 445 من 1671

أبي عامر منذ نزل قصر الزاهرة وتوسّع مع الأيام في تشييد أبنيتها حتى كملت أحسن كمال، وجاءته في نهاية الجمال، تفاوت بناء (1) ، وسعة فناء، واعتدال هواء، رقّ أديمه، وصقالة جوّ اعتلّ نسيمه، ونضرة بستان، وبهجة للنفوس فيها افتنان، وفيها يقول صاعد اللغوي: [البسيط]

يا أيّها الملك المنصور من يمن ... والمبتني نسبا غير الّذي انتسبا ...

بغزوة في قلوب الشّرك رائعة ... بين المنايا تناغي السّمر والقضبا (2) ...

أما ترى العين تجري فوق مرمرها ... زهوا فتجري على أحفافها الطّربا (3) ...

أجريتها فطما الزّاهي بجريتها ... كما طموت فسدت العجم والعربا ...

تخال فيه جنود الماء رافلة ... مستلئمات تريك الدّرع واليلبا (4) ...

تحفّها من فنون الأيك زاهرة ... قد أورقت فضّة إذ أورقت ذهبا ...

بديعة الملك ما ينفكّ ناظرها ... يتلو على السّمع منها آية عجبا ...

لا يحسن الدّهر أن ينشي لها مثلا ... ولو تعنّت فيها نفسه طلبا

ودخل عليه ابن أبي الحباب في بعض قصوره من المنية المعروفة بالعامرية، والروض قد تفتحت أنواره، وتوشحت أنجاده وأغواره، وتصرّف فيها الدهر متواضعا، ووقف بها السعد خاضعا، فقال: [البسيط]

لا يوم كاليوم في أيّامك الأول ... بالعامريّة ذات الماء والظّلل ...

هواؤها في جميع الدّهر معتدل ... طيبا وإن حلّ فصل غير معتدل ...

ما إن يبالي الّذي يحتلّ ساحتها ... بالسّعد أن لا تحلّ الشّمس بالحمل

وما زالت هذه المنية (5) رائقة، والسّعود بلبّتها متناسقة، تراوحها الفتوح وتغاديها، وتجلب إليها منكسرة أعاديها، لا تزحف عنها راية إلا إلى فتح، ولا يصدر عنها تدبير إلا إلى نجح، إلى أن حان يومها العصيب، وقيض لها من المكروه أوفر نصيب، فتولت فقيدة، وخلت من بهجتها كل عقيدة، انتهى.

(1) في ب: نقاوة بناء.

(2) السمر: الرماح. والقضب: جمع قضيب، وهو السيف القاطع.

(3) في ب: هوى فتجري على أضعافها الطربا.

(4) اليلب: الترس.

(5) الجذوة ص 377.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت