الصفحة 448 من 1671

وذكر بعض مؤرخي الأندلس أن المنصور بن أبي عامر كان يزرع كل سنة ألف مدي من الشعير قصيلا لدوابه الخاصة به، وأنه كان إذا قدم من غزوة من غزواته لا يحلّ عن نفسه حتى يدعو صاحب الخيل فيعلم ما مات منها وما عاش، وصاحب الأبنية لما وهي من أسواره ومبانيه وقصوره ودوره، قال: وكان له دخالة كل يوم اثني عشر ألف رطل من اللحم، حاشا الصيد والطير والحيتان، وكان يصنع في كل عام اثني عشر ألف ترس عامرية لقصر الزاهرة والزهراء، قال: وابتنى على طريق المباهاة والفخامة مدينة الزاهرة ذات القصور والمنتزهات المخترعة كمنية السرور وغيرها من مناشئه البديعة، انتهى.

ومن المطمح: أن المنصور لما فرغ من بناء الزاهرة غزا غزوة وأبعد فيها الإيغال وغال فيها من عظماء الروم من غال (1) ، وحل من أرضهم ما لم يطرق، وراع منهم ما لم يرع قط ولم يفرق (2) ، وصدر صدرا سما به على كل حسناء عقيلة، وجلا به كل صفحة للحسن صقيلة، ودخل قرطبة دخولا لم يعهد، وشهد له فيها يوم مثله لم يشهد، وكان ابن شهيد متخلفا عن هذه الغزوة لنقرس عداه عائده (3) ، وحداه منتجعه ورائده، وابن شهيد هذا أحد حجاب الناصر، وله على ابن أبي عامر أياد محكمة الأواصر، وهو الذي نهض به أول انبعاثه، وشفى أمره زمن التياثة، وخاصم المصحفي عنه بلسان من الحماية ألدّ، وتوخاه بإحسان قلده من الرعاية ما قلد، وأسمى رتبته، وحلّى بإعظام جاهه لبّته (4) ، وكان كثيرا ما يتحفه، ويصله ويلطفه، فلما صدر المنصور من غزوته هذه وقفل، نسي متاحفته وغفل، فكتب إليه ابن شهيد: [الخفيف]

أنا شيخ والشّيخ يهوى الصّبايا ... يا بنفسي أقيك كلّ الرّزايا ...

ورسول الإله أسهم في الفي ... ء لمن لم يخبّ فيه المطايا ...

فاجعلنّي فديت أشكر معرو ... فك وابعث بها عذاب الثّنايا

فبعث إليه بعقيلة من عقائل الروم يكنفها ثلاث جوار، كأنهن نجوم سوار، وكتب إليه: [الخفيف]

قد بعثنا بها كشمس النّهار ... في ثلاث من المها أبكار ...

فاتّئد واجتهد فإنّك شيخ ... سلخ اللّيل عن بياض النّهار

(1) غال (يغول غولا) الرجل: أخذه من غير أن يعلم فقتله.

(2) يفرق: يخاف خوفا شديدا.

(3) النقرس: مرض مؤلم يصيب مفاصل الرجل لا سيما إبهامها.

(4) في ب: بإعظام جيده ولبته.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت