الصفحة 457 من 1671

ومنها أنه لقيته ـ وقد عاد من بعض غزواته ـ امرأة نغصّت عليه بلوغ مناه وشهواته، وقالت له: يا منصور، استمع ندائي، فأنت من طيب عيشك وأنا في بكائي، فسألها عن مصيبتها التي عمّتها وغمّتها، فذكرت له أن لها ابنا أسيرا في بلاد سمّتها، وأنها لا يهنأ عيشها لفقده، ولا يخبو ضرام قلقلها من وقده، وأنشد لسان حالها: [مجزوء الكامل]

يا ذلك الملك العليّ ... ويح الشّجيّ من الخليّ

(1) فرحّب المنصور بها، وأظهر الرقة بسببها، وخرج من القابلة إلى تلك المدينة التي فيها ابنها وجاس أقطارها وتخللها، حتى دوّخها إذ أناخ عليها بكلكله (2) وذللها، وأعراها من حماتها وببنود الإسلام المنصورة ظلّلها، وخلّص جميع من فيها من الأسرى، وجلبت عوامله إلى قلوب الكفرة كسرا، وانقلبت عيون الأعداء حسرى، وتلا لسان حال المرأة: (فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا(5) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (5 ) ) [الشرح: 5، 6] .

فهكذا تكون الهمة السلطانية، والنخوة الإيمانية، فالله سبحانه يروّح تلك الأرواح في الجنان، ويرقى درجاتها ويعاملها بمحض الفضل والامتنان.

وقد تذكرت هنا والحديث شجون (3) ، وبذكر (4) المناسبات يبلغ الطلاب ما يرجون، كتابا كتبه الأديب الكاتب أبو محمد ابن الإمام الحافظ محدث الأندلس أبي عمر بن عبد البر النّميري، إلى المنصور بن أبي عامر، وهو من ذرية المنصور الكبير الذي كنا نتحدث في أخباره، يمت إليه بسلفه ومعاملتهم لمن تقدم من آبائه بتعظيم قدره وإكباره، وهو: عمّر الله ببقاء سيدي (5) ذي السابقتين بهجة أوطانه، وملّكه عنان زمانه، ومدّ عليه ظلال أمانه، أنى أبقى الله الملك الكريم، والسيد الزعيم، لما أضاءت لي أهلّة مفاخركم في سماء الفخار، وأشرقت شموس مكارمكم على مفارق الأحرار، وأبصرت شمائلك الزهر تهدى إليك من الهمم محامدها (6) ، ومحاسنك الغر توقظ لك من الآمال رواقدها (7) ، أيقنت أنه بحقّ انقادت لك

(1) الشطر الثاني من البيت أخذ من بيت لأبي تمام وتمامه:

أيا ويح الشجي من الخلي ... وبالي الربع من إحدى بلي

وفي ب: أيا ويح؛ فيكون من بحر الوافر.

(2) الكلكل: الصدر، وأناخ عليها بكلكله: أي نال منها كثيرا.

(3) الحديث شجون: أي أنواع وضروب، يتصل بعضها ببعض. وشجون جمع شجن وهو الشعبة من كل شيء.

(4) في ب: وفي ذكر.

(5) في ب: ببقاء مولاي.

(6) في ب: الهمم كامنها.

(7) في ب: من الآمال نائمها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت