الصفحة 456 من 1671

بوسط بلاد الإفرنج، فلما جاوز ذلك المحل ـ وهو آخذ في التحريق والتخريب والغارات والسبي يمينا وشمالا ـ لم يجسر أحد من الإفرنج على لقائه، حتى أقفرت البلاد مسافة أيام، ثم عاد فوجد الإفرنج قد استجاشوا من وراءهم، وضبطوا ذلك المدخل الضيق الذي بين جبلين، وكان الوقت شتاء، فلما رأى ما فعلوه رجع واختار منزلا من بلادهم أناخ به فيمن معه من العساكر، وتقدم ببناء الدور والمنازل، وبجمع آلات الحرث ونحوها، وبث سراياه فسبت وغنمت، فاسترق الصّغار، وضرب أعناق الكبار، وألقى جثثهم حتى سدّ بها المدخل الذي من جهته، وصارت سراياه تخرج فلا تجد إلا بلدا خرابا، فلما طال البلاء على العدو أرسلوا إليه في طلب الصلح، وأن يخرج بغير أسرى ولا غنائم، فامتنع من ذلك، فلم تزل رسلهم تتردد إليه حتى سألوه أن يخرج بغنائمه وأسراه، فأجابهم: إن أصحابي أبوا أن يخرجوا، وقالوا: إنا لا نكاد نصل إلى بلادنا إلا وقد جاء وقت الغزوة الأخرى، فنقعد ههنا إلى وقت الغزاة، فإذا غزونا عدنا، فما زال الإفرنج يسألونه إلى أن قرر عليهم أن يحملوا على دوابهم ما معه من الغنائم والسبي، وأن يمدّوه بالميرة حتى يصل إلى بلاده، وأن ينحّوا جيف القتلى عن طريقه (1) بأنفسهم، ففعلوا ذلك كله، وانصرف.

ولعمري إن هذا لعز ما وراءه مطمح، ونصر لا يكاد الزمان يجود بمثله ويسمح، خصوصا إزالتهم جيف قتلاهم من الطريق، وغصصهم (2) في شرب ذلك بالريق.

ومن مآثره التي هي في جبين عصره غرة، ولعين دهره قرّة، أنه لما ختن أولاده ختن معهم من أولاد أهل دولته خمسمائة صبي، ومن أولاد الضعفاء عدد لا يحصر (3) ، فبلغت النفقة عليهم في هذا الإعذار، خمسمائة ألف دينار، وهذه مكرمة مخلّدة، ومنه مقلدة، فالله سبحانه يجازيه عن ذلك أفضل الجزاء! ويجعل للمسلمين في فقد مثله أحسن العزاء!.

ومن مناقبه التي لم تتفق لغيره من الملوك في غالب الظنّ، أن أكثر جنده من سبيه على ما حققه بعض المؤرخين، وذلك غاية المنح من الله والمنّ.

ومن أخباره الدالة على إقبال أمره وخيبة عدوّه وإدباره، أنه ما عاد قط من غزوة إلا استعدّ لأخرى، ولم تهزم له قط راية مع كثرة غزواته شاتية وصائفة (4) وكفاه ذلك فخرا.

(1) ينحون: يبعدون.

(2) في ه: وغصّهم.

(3) في ب، ه: لا ينحصر.

(4) الغزوة الشاتية أي في الشتاء. والصائفة: أي في الصيف.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت