فهرس الكتاب
فبزّت يدي غصبا لها ثوب جسمها ... وأعريتها باللّطف من كلّ ملبس (1) ...
ولمّا تعرّت في يدي من برودها ... ولم تبق إلّا في غلالة نرجس (2) ...
ذكرت لها من لا أبوح بذكره ... فأذبلها في الكفّ حرّ التّنفّس
وله وقد أعاده المنصور إلى المطبق، والشجون تسرع إليه وتسبق، معزيا لنفسه، ومجتزيا بإسعاد أمسه: [المتقارب]
أجازي الزّمان على حاله ... مجازاة نفسي لأنفاسها ...
إذا نفس صاعد شفّها ... توارت به دون جلّاسها ...
وإن عكفت نكبة للزّمان ... عكفت بنفسي على راسها
ومما حفظ له في استعطافه، واستنزاله للمنصور واستلطافه، قوله: [المتقارب]
عفا الله عنك، ألا رحمة ... تجود بعفوك أن أبعدا ...
لئن جلّ ذنب ولم أعتمده ... فأنت أجلّ وأعلى يدا ...
ألم تر عبدا عدا طوره ... ومولى عفا ورشيدا هدى ...
ومفسد أمر تلافيته ... فعاد فأصلح ما أفسدا ...
أقلني أقالك من لم يزل ... يقيك ويصرف عنك الرّدى
عود وانعطاف إلى أخبار المنصور بن أبي عامر رحمه الله تعالى! وجازاه عن جهاده أفضل الجزاء بمنه وكرمه وفضله وطوله! فنقول:
وكان له في كل غزوة من غزواته المنيفة على الخمسين مفخر من المفاخر الإسلامية، فمنها أن بعض الأجناد نسي رايته مركوزة على جبل بقرب إحدى مدائن الروم، فأقامت عدة أيام لا يعرف الروم ما وراءها بعد رحيل العساكر، وهذا بلا خفاء مما يفتخر به أهل التوحيد على أهل التثليث (3) ، لأنهم لما أشرب قلوبهم خوف شرذمة المنصور وحزبه، وعلم كلّ من ملوكهم أنه لا طاقة له بحربه لجؤوا إلى الفرار والتحصن بالمعاقل والقلاع، ولم يحصل منهم غير الإشراف من بعد والاطلاع.
ومن مفاخر المنصور في بعض غزواته أنه مر بين جبلين عظيمين في طريق عرض بريد
(1) بزت: سلبت.
(2) الغلالة: لباس يلبس تحت الثوب أو تحت الدرع.
(3) أهل التثليث: النصارى. وفي ب: أهل: غير موجودة.