الصفحة 763 من 1671

وكان بالإسكندرية مكين الدولة أبو طالب أحمد بن عبد المجيد بن أحمد بن الحسن بن حديد، له مروءة عظيمة، ويحتذي أفعال البرامكة، وللشعراء فيه أمداح كثيرة، ومدحه ظافر الحداد وأمية أبو الصّلت وغيرهما، وكان له بستان يتفرّج فيه، به جرن كبير من رخام، وهو قطعة واحدة ينحدر فيه الماء فيبقى كالبركة من كبره، وكان يرى في نفسه برؤيته زيادة على أهل التنعم والمباهاة في عصره، فوشى به للبدوية محبوبة الآمر، فسألت الآمر في حمل الجرن إليها، فأرسل إلى ابن حديد في إحضار الجرن، فلم يجد بدّا من حمله من البستان، فلما صار إلى الآمر أمر بعمله في الهودج (1) ، فقلق ابن حديد، وصارت في قلبه حزازة (2) من أخذ الجرن، فأخذ يخدم البدوية وجميع من يلوذ بها بأنواع الخدم العظيمة الخارجة عن الحد في الكثرة، حتى قالت البدوية: هذا الرجل أخجلنا (3) بكثرة تحفه، ولم يكلفنا قط أمرا نقدر عليه عند الخليفة مولانا، فلما قيل له عنها هذا القول قال: مالي حاجة بعد الدعاء لله بحفظ مكانها وطول حياتها في عز غير ردّ السّقيّة التي قلعت من داري التي بنيتها في أيامهم من نعمتهم تردّ إلى مكانها، فتعجبت من ذلك، وردتها عليه، فقيل له: قد حصلت في حد أن خيّرتك البدوية في جميع المطالب، فنزلت همتك إلى قطعة حجر، فقال: أنا أعرف بنفسي، ما كان لها أمل سوى أن لا تغلب في أخذ ذلك الحجر من مكانه، وقد بلغها الله تعالى أملها.

وكان هذا المكين متولي قضاء الإسكندرية ونظرها في أيام الآمر، وبلغ من علو همته وعظيم مروءته أن سلطان الملوك حيدرة أخا الوزير المأمون ابن البطائحي لما قلّده الآمر ولاية ثغر الإسكندرية سنة سبع عشرة وخمسمائة، وأضاف إليها الأعمال البحرية، ووصل إلى الثغر ـ وصف له الطبيب دهن الشمع بحضرة القاضي المذكور، فأمر في الحال بعض غلمانه بالمضيّ إلى داره لإحضار دهن الشمع فما كان أكثر من مسافة الطريق إلا وقد أحضر حقّا مختوما، ففك عنه، فوجد فيه منديل لطيف مذهب على مداف (4) بلور فيه ثلاثة بيوت كل بيت عليه قبة ذهب مشبكة مرصعة بياقوت وجوهر: بيت دهن ممسك، وبيت دهن بكافور، وبيت دهن بعنبر طيب، ولم يكن فيه شيء مصنوع لوقته، فعند ما أحضره الرسول تعجب المؤتمن والحاضرون من علو همته، فعندما شاهد القاضي ذلك بالغ في شكر إنعامه، وحلف بالحرام إن عاد إلى ملكه، وكان [من] (5) جواب المؤتمن: وقد قبلته منك لا لحاجة إليه، ولا نظر في قيمته، بل لإظهار هذه الهمة وإذاعتها، وذكر أن قيمة هذا المداف وما عليه خمسمائة دينار.

(1) في ب: «وتركيبه هنالك» .

(2) في نسخة: حرارة.

(3) في ب: «أخلجنا» .

(4) في ب: «مراق» .

(5) في ب: «ساقطة» .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت