فهرس الكتاب
غرناطة، وكان وزيره ومدبر دولته عبد الملك بن سعيد، بادر الفرار لغرناطة عند ما سمع بموته إلى قلعته، وثار بها، وطلبه خليفة يحيى بن غانية طلحة بن العنبر، فوجده قد فاته.
وقد قدمنا أن عبد الملك هذا هو السبب في تأليف كتاب «المغرب، في أخبار المغرب» ثم تممه ابنه محمد بن عبد الملك، ثم تمم ما بقي منه ابنه موسى بن محمد، ثم أربى على الكل في إتمامه أبو الحسن علي بن موسى الذي قصدناه بالترجمة في هذا الكتاب، وقد ذكرنا من أحواله جملة كافية.
ومن فوائد ابن سعيد أبي الحسن ما حكاه عن صاحب كتاب «الكمائم» (1) وهو: فأما فسطاط مصر فإن مبانيها كانت في القديم متصلة بمباني مدينة عين شمس، وجاء الإسلام وبها بناء يعرف بالقصر حوله مساكن، وهو الذي عليه نزل عمرو بن العاص، وضرب فسطاطه حيث المسجد الجامع المنسوب إليه، ثم لما فتحها قسم المنازل على القبائل، ونسب المدينة إليه، فقيل: فسطاط عمرو، وتداولت عليها بعد ذلك ولاة مصر، فاتخذوها سرير السلطنة، وتضاعفت عمارتها، فأقبل الناس من كل جانب إليها، وقصروا أمانيهم عليها، إلى أن رسخت بها دولة بني طولون، فبنوا إلى جانبها المنازل المعروفة بالقطائع، وبها كان مسجد ابن طولون الذي هو الآن إلى جانب القاهرة، وهي مدينة مستطيلة يمر النيل مع طولها، وتحطّ في ساحلها المراكب الآتية من شمال النيل وجنوبه بأنواع الفوائد، وبها منتزهات، وهي في الإقليم الثالث، ولا ينزل فيها مطر إلا في النادر، وترابها ينتن الأرجل، وهو قبيح اللون، تستكدر منه أرجاؤها، ويسوء بسببه هواؤها، ولها أسواق ضخمة إلا أنها ضيقة، ومبانيها بالقصب والطوب طبقة على طبقة، ومذ بنيت القاهرة ضعفت مدينة الفسطاط، وفرّط في الاعتناء بها بعد الإفراط، وبينهما نحو ميلين، وأنشدت فيها للشريف العقيلي (2) : [بحر الطويل]
أحنّ إلى الفسطاط شوقا وإنني ... لأدعو لها أن لا يحل بها القطر ...
وهل في الحيا من حاجة لجنابها ... وفي كل قطر من جوانبها نهر ...
تبدت عروسا والمقطّم تاجها ... ومن نيلها عقد كما انتظم الدر
وقال عن كتاب إجار: والفسطاط هو قصبة مصر، والجبل المقطم شرقيها، وهو متصل
(1) كتاب الكمائم للبيهقي.
(2) الشريف العقيلي: هو أبو الحسن علي بن الحسين بن حيدرة من شعراء القرن الرابع. أكثر شعره في الوصف (انظر المغرب ج 1 ص 205) .