الصفحة 802 من 1671

بجبل الزمرذ (1) ، وقال عن كتاب ابن حوقل: الفسطاط مدينة عظيمة (2) ، ينقسم النيل لديها، وهي كبيرة، ومقدارها نحو فرسخ، على غاية العمارة والطيب واللذة ذات رحاب في محالّها، وأسواق عظام فيها ضيق، ومتاجر فخام، ولها ظاهر أنيق، وبساتين نضرة، ومنتزهات على ممر الأيام خضرة، وفي الفسطاط قبائل وخطط للعرب تنسب إليها كالكوفة والبصرة، إلا أنها أقل من ذلك، وهي سبخة الأرض، غير نقية التربة، وتكون الدار بها سبع طبقات وخمسا وستا، وربما يسكن في الدار المائتان من الناس، ومعظم بنيانهم بالطوب، وأسفل دورهم غير مسكون، وبها مسجدان للجمعة، بنى أحدهما عمرو بن العاص في وسط الفسطاط، والآخر على الموقف بناه ابن طولون، وكان خارج الفسطاط أبنية بناها أحمد بن طولون ميلا في ميل يسكنها جنده، وتعرف بالقطائع، كما بنى بنو الأغلب خارج القيروان رقّادة، وقد خربتا في وقتنا هذا، وأخلف الله بدل القطائع بظاهر مدينة الفسطاط القاهرة.

قال ابن سعيد: لما استقررت بالقاهرة تشوّقت (3) إلى معاينة الفسطاط، فسار معي إليها أحد أصحاب القرية، فرأيت عند باب زويلة من الحمير المعدّة لركوب من يسير إلى الفسطاط جملة عظيمة، لا عهد لي بمثلها في بلد، فركب منها حمارا، وأشار إلي أن أركب حمارا آخر، فأنفت من ذلك جريا على عادة ما خلفته في بلاد المغرب، فأخبرني أنه غير معيب على أعيان مصر، وعاينت الفقهاء وأصحاب البزة والشارة الظاهرة (4) يركبونها، فركبت، وعند ما استويت راكبا أشار المكاري إلى الحمار، فطار بي، وأثار من الغبار الأسود ما أعمى عيني، ودنس ثيابي، وعاينت ما كرهته، ولقلة معرفتي بركوب الحمار وشدة عدوه على قانون لم أعهده، وقلة رفق المكاري، وقعت في تلك الظلمة المثارة من ذلك العجاج، فقلت: [بحر المتقارب]

لقيت بمصر أشدّ البوار ... ركوب الحمار وكحل الغبار ...

وخلفي مكار يفوق الريا ... ح لا يعرف الرفق مهما استطار ...

أناديه مهلا فلا يرعوي ... إلى أن سجدت سجود العثار ...

وقد مد فوقي رواق الثرى ... وألحد فيها ضياء النهار

فدفعت إلى المكاري أجرته، وقلت له: إحسانك أن تتركني أمشي على رجلي ومشيت

(1) في ه: «الزمرد» .

(2) في ب: «حسنة» .

(3) في ب: «تشوفت» .

(4) أصحاب البزة والشارة الظاهرة: أراد العلماء وكبار الرجال.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت