الصفحة 807 من 1671

يقولون إنه بني قدر إيوان كسرى الذي بالمدائن، وكان يجلس فيها خلفاؤهم ولهم على الخليج الذي بين الفسطاط والقاهرة مبان عظيمة جليلة الآثار، وأبصرت في قصورهم حيطانا عليها طاقات عديدة من الكلس والجبس ذكر لي أنهم كانوا يجدّدون تبييضها في كل سنة، والمكان المعروف بالقاهرة ببين القصرين هو من الترتيب السلطاني، لأن هناك ساحة متسعة للعسكر والمتفرّجين ما بين القصرين، ولو كانت القاهرة كلها كذلك كانت عظيمة القدر كاملة الهمة السلطانية، ولكن ذلك أمد قليل، ثم تسير منه إلى أمد ضيق، وتمرّ في ممر كدر خرج بين الدكاكين، إذا ازدحمت فيه الخيل مع الرجالة كان مما تضيق به الصدور، وتسخن منه العيون، ولقد عاينت يوما وزير الدولة وبين يديه الأمراء، وهو في موكب جليل، وقد لقي في طريقه عجلة بقر تحمل حجارة، وقد سدت جميع الطرق بين يدي الدكاكين، ووقف الوزير وعظم الازدحام، وكان في موضع طباخين، والدخان في وجه الوزير، وعلى ثيابه، وقد كاد يهلك المشاة، وكدت أهلك في جملتهم، وأكثر دروب القاهرة ضيقة مظلمة كثيرة التراب والأزبال، والمباني عليها من قصب وطين مرتفعة قد ضيّقت مسلك الهواء والضوء بينها، ولم أر في جميع بلاد المغرب أسوأ منها حالا في ذلك، ولقد كنت إذا مشيت فيها يضيق صدري، وتدركني وحشة عظيمة، حتى أخرج إلى بين القصرين.

ومن عيوب القاهرة أنها في أرض النيل الأعظم ويموت الإنسان فيها عطشا لبعدها عن مجرى النيل، لئلا يصادرها ويأكل ديارها، وإذا احتاج الإنسان إلى فرجة في نيلها مشى في مسافة بعيدة بظاهرها بين المباني التي خارج السور إلى موضع يعرف بالمقس، وجوّها لا يبرح كدرا مما تثيره (1) الأرض من التراب الأسود، وقد قلت فيها حين أكثر عليّ رفاقي من الحض على العود فيها: [بحر المتقارب]

يقولون سافر إلى القاهره ... ومالي بها راحة ظاهره ...

زحام وضيق وكرب وما ... تثير بها أرجل سائره

وعند ما يقبل المسافر عليها يرى سورا أسود كدرا، وجوّا مغبرا، فتنقبض نفسه، ويفر أنسه، وأحسن موضع في ظواهرها للفرجة أرض الطبالة، لا سيما أرض القرط والكتان، وقلت: [بحر الطويل]

سقى الله أرضا كلما زرت روضها ... كساها وحلّاها بزينته القرط

(1) في ب، ه: «بما تنثره الأرض» .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت