الصفحة 818 من 1671

ليس ذا وجه من يضيف ولا يق ... يري (1) ولا يدفع الأذى عن حريم

فمن يكن له وجه مثل هذا الوجه فولّ وجهك عنه قبلة ترضاها، ولتحرص جهدك على أن لا تصحب أو تخدم إلا ربّ حشمة ونعمة، ومن نشأ في رفاهية ومروءة، فإنك تنام معه في مهاد العافية، وإن الجياد على أعراقها تجري، وأهل الأحساب والمروءات يتركون منافعهم متى كانت عليهم فيها وصمة، وقد قيل في مجلس عبد الملك بن مروان: أشرب مصعب (2) الخمر؟ فقال عبد الملك، وهو عدوّ له محارب له على الملك: لو علم مصعب أن الماء يفسد مروءته ما شربه [بحر الكامل] .

والفضل ما شهدت به الأعداء

يا بني، وقد علمت أن الدنيا دار مفارقة وتغيّر، وقد قيل: اصحب من شئت فإنك مفارقه، فمتى فارقت أحدا فعلى حسنى في القول والفعل، فإنك لا تدري هل أنت راجع إليه، فلذلك قال الأول: [بحر الطويل]

ولما مضى سلم بكيت على سلم

وإياك والبيت السائر: [بحر الوافر]

وكنت إذا حللت بدار قوم ... رحلت بخزية (3) وتركت عارا

واحرص على ما جمع قول القائل: ثلاثة تبقي لك الودّ في صدر أخيك، أن تبدأه بالسلام، وتوسع له في المجلس، وتدعوه بأحبّ الأسماء إليه، واحذر كل ما بينه لك القائل: كلّ ما تغرسه تجنيه إلا ابن آدم فإنك إذا غرسته يقلعك، وقول الآخر: ابن آدم يتمسكن حتى يتمكن، وقول الآخر: ابن آدم ذئب مع الضعف، أسد مع القوّة، وإياك أن تثبت على صحبة أحد قبل أن تطيل اختباره، فيحكى أن ابن المقفّع خطب من الخليل (4) صحبته، فجاوبه: إن الصحبة رقّ، ولا أضع رقي في يدك حتى أعرف كيف ملكتك، واستمل من عين من تعاشره، وتفقّد في فلتات الألسن وصفحات الأوجه، ولا يحملك الحياء على السكوت عما يضرك أن

(1) يقري: يجعل الزاد لضيفه.

(2) مصعب: هو مصعب بن الزبير وكان عدوا لعبد الملك بن مروان وجرت بينهما معركة كان النصر فيها لعبد الملك وقتل مصعب.

(3) الخزية: العيب والعار.

(4) الخليل: هو الخليل بن أحمد الفراهيدي، وكان عالما في اللغة والأدب والنحو إضافة إلى وضعه علم العروض.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت