فهرس الكتاب
لا تبينه، فإن الكلام سلاح السلم، وبالأنين يعرف ألم الجرح، واجعل لكل أمر أخذت فيه غاية تجعلها نهاية لك، وآكد ما أوصيك به أن تطرح الأفكار، وتسلم للأقدار: [المنسرح]
واقبل من الدهر ما أتاك به ... من قرّ عينا بعيشه نفعه
إذ الأفكار تجلب الهموم، وتضاعف الغموم، وملازمة القطوب عنوان المصائب والخطوب، يستريب به الصاحب، ويشمت العدوّ المجانب، ولا تضر بالوساوس إلا نفسك، لأنك تنصر بها الدهر عليك، ولله در القائل: [بحر الوافر]
إذا ما كنت للأحزان عونا ... عليك مع الزمان فمن تلوم؟
مع أنه لا يردّ عليك الفائت الحزن، ولا يرعوي بطول عتبك الزمن، ولقد شاهدت بغرناطة شخصا قد ألفته الهموم، وعشقته الغموم، من صغره إلى كبره، لا تراه أبدا خليا من فكره، حتى [لقد] (1) لقب بصدر الهم، ومن أعجب ما رأيته منه أنه يتنكد في الشدة، ولا يتعلل بأن يكون بعدها فرج، ويتنكد في الرخاء خوفا من أن لا يدوم، وينشد: [بحر المتقارب]
توقع زوالا إذا قيل تم
وينشد: [بحر الطويل]
وعند التّناهي يقصر المتطاول (2)
وله من الحكايات في هذا الشأن عجائب، ومثل هذا عمره مخسور يمر ضياعا، ومتى رفعك الزمان إلى قوم يذمون من العلم ما تحسنه حسدا لك، وقصدا لتصغير قدرك عندك، وتزهيدا لك فيه، فلا يحملك ذلك على أن تزهد في علمك، وتركن إلى العلم الذي مدحوه، فتكون مثل الغراب الذي أعجبه مشي الحجلة فرام أن يتعلمه فصعب عليه ثم أراد أن يرجع إلى مشيه فنسيه، فبقي مخبل المشي [كما قيل] (3) : [بحر الكامل]
حسد القطا وأراد يمشي مشيها ... فأصابه ضرب من العقّال (4)
(1) ساقطة في ب.
(2) للمعري:
فإن كنت تبغي العز فابغ توسطا ... وعند التناهي يقصر المتطاول
(3) ما بين حاصرتين سقط من ب، ه.
(4) البيت ساقط من ب.