وفي مختصر الواضحة لفضل بن سلمة أن المرأة إذا رفعت أمرها إلى القاضي وطلبت أن يفرض لها النفقة على زوجها الغائب وحاله في العسر واليسر مجهول وأحبت أن ينظر لها في فرض النفقة عليه ولزومها لها إن ظهر مليا فيشهد لها السلطان لئن كان فلان زوج فلانة مليا اليوم موسرا في غيبته هذه فقد أوجبنا عليه لامرأته فريضة مثلها من مثله وإن كان معسرا فلا شيء عليه ويكتب التاريخ ثم تكون الفريضة لازمة له إلا أن يثبت عدمه في غيبته كلها حتى قدم فلا يلزمه شيء
اعلم أن علم القضاء يدور على معرفة المدعي من المدعى عليه لأنه أصل مشكل ولم يختلفوا في حكم ما لكل واحد منهما وأن على المدعي البينة إذا أنكر المطلوب وأن على المدعى عليه اليمين إذا لم تقم البينة وقد اختلفت عبارات الفقهاء في تحديد المدعي والمدعى عليه قال القرافي المدعي من كان قوله على خلاف أصل أو عرف والمدعى عليه من كان قوله على وفق أصل أو عرف
وقال ابن شاس المدعي من تجردت دعواه عن أمر يصدقه أو كان أضعف المتداعيين أمرا في الدلالة عن الصدق أو اقترن بها ما يوهنها عادة وذلك كالخارج عن معهود والمخالف لأصل وشبه ذلك ومن ترجح جانبه بشيء من ذلك فهو المدعى عليه
فإذا ادعى أحدهما ما يوافق العرف وادعى الآخر ما يخالفه فالأول المدعى عليه والثاني هو المدعي وكذلك كل من ادعى وفاء ما عليه أو رد ما عليه من غير أمر يصدق دعواه فإنه مدع واختصر ذلك ابن الحاجب فقال المدعي من تجرد قوله عن مصدق والمدعى عليه من ترجح بمعهود أو أصل قال ابن عبد السلام والمعهود هو شهادة العرف والأصل استصحاب الحال
وقال أبو عمر ابن عبد البر إذا أشكل عليك المدعي من المدعى عليه فواجب الاعتبار فيه أن ينظر هل هو آخذ أو دافع وهل يطلب استحقاق شيء من غيره أو ينفيه فالطالب أبدا مدع والدافع المنكر مدعى عليه فقف على هذا الأصل
وقال غيره كل من يريد الأخذ أو يطلب البراءة من شيء وجب عليه فهو مدع
وكلامهم وتحويمهم على شيء واحد وهو أن المتمسك بالأصل هو المدعى عليه ومن أراد النقل عنه فهو المدعي غير أنه يتعارض النظر في كثير من المسائل من هو المتمسك بالأصل من الخصمين كما لو ادعى الزوج أن سيد الأمة غره وزوجه بها وأنكر السيد فقال أشهب القول قول الزوج
وقال سحنون القول قول السيد فتعارض في هذه المسألة الأصل والغالب فالأصل عدم الغرور فيكون القول قول السيد والغالب عدم الدخول على زواج الإماء وعدم الرضا بهن وزواج الأحرار للإماء نادر فيقدم الغالب على النادر
ومثل هذا كثير في مسائل الدعاوى
وأيضا فهناك أمور اختلف الفقهاء في ترجيح قول أحد الخصمين على الآخر بسببها كدعوى المرأة على زوجها الحاضر معها أنه لم ينفق عليها فالقول قول الزوج عندنا لأن العرف والغالب يشهد بصدقه وعند الشافعي القول قول المرأة تمسكا بالأصل لأن الأصل عدم الإنفاق وأمور اتفقوا على الترجيح بها كالقضاء بالنكول واعتباره في الأحكام فهو رجوع إلى القرينة الظاهرة وقدم على