الصفحة 105 من 576

أصل براءة الذمة ولكن قد يختلف النظر في تحقيق حصول ذلك المرجح في صورة النزاع

تنبيه وأجمعوا على اعتبار الأصل وإلغاء الغالب في دعوى الدين ونحوه فإن القول قول المدعى عليه وإن كان الطالب أتقى الناس والغالب أنه لا يدعي إلا حقا وأجمعوا على اعتبار الغالب وإلغاء الأصل في البينة إذا شهدت فإن الغالب صدقها والأصل براءة المشهود عليه

وقال المازري في شرح التلقين قال بعضهم المدعي من إذا سكت ترك وسكوته والمدعى عليه من إذا سكت لم يترك وسكوته

وقال آخرون المدعي من ادعى أمرا خفيا والمدعى عليه من تمسك بظاهر الأمر وما ذكرناه من اختلاف الحدين المذكورين لا ينبغي أن يعتمد عليه الفقيه في كل مسألة تعرض بل ها هنا ما هو آكد واعتباره أنفع مما قدمنا ذكره وهو استصحاب الحال فإنها هي الأصل المعتمد عليه في مقتضى النظر ولا تردد في ذلك ولا إشكال إذا لم يعارض الحال الحال ولكن قد يعترض حالان استصحاب أحد ما يضاد استصحاب الحال الآخر فهاهنا يقع الإشكال فيختلف أهل النظر من الأئمة في تمييز المدعي من المدعى عليه ويفتقر كل واحد منهما إلى ترجيح الحالة التي استصحبها ألا ترى أن المذهب عندنا على قولين في مكري دار زعم بعد إنفاقه هو والمكتري على أولها وآخرها أنها انهدمت شهرين على قول صاحب الدار وعلى قول المكتري تكون مدة الهدم ثلاثة أشهر فإن قيل القول قول المكتري لأن الأصل براءة الذمة من المطالبة والغرامة فيستصحب ذلك وإذا استصحبناه كان المكتري هو المدعى عليه والقول الآخر أن القول قول المكري لأن عقد الكراء أوجب دينا في ذمة المكتري والمكتري يدعي إسقاط بعضه فلا يصدق استصحابا لحال كون الكراء دينا في ذمته واستصحابا لكون الدار صحيحة

وكذلك اختلف عندنا على قولين فيمن قبض من رجل دنانير فلما طلبه بها دافعها زعم أنه إنما قبضها عن سلف كان أسلفه لدافعها وقال دافعها بل أنا أسلفتك إياها وما كنت أنت أسلفتني شيئا قط فإن اعتبرنا الفرق بين المدعي والمدعى عليه بأن المدعي من لو سكت ترك وسكوته وجدنا ها هنا الدافع هو المدعي لأنه لو سكت لترك وسكوته والقابض لو سكت عن جواب الطالب ما ترك وسكوته وإن بنينا على الأصل الآخر وهو دعوى الأمر الجلي أو الخفي فإنا إذا استصحبنا كون الدافع بريء الذمة من سلف هذا القابض صدقنا الدافع وجعلناه هو المدعى عليه السلف الذي الأصل عدمه وإن اعتبرنا حال القابض وأن الأصل أيضا فيه براءة ذمته فلا يؤخذ بأكثر مما أقر به جعلنا القابض هو المدعى عليه فما يعرض الإشكال إلا عند تصادم مقتضى الأحوال فيفتقر إلى ترجيح استصحاب أحد الحالين على الآخر

وقد ذكر عن شريح القاضي أنه قال وليت القضاء وعندي أني لا أعجز عن معرفة ما يتخاصم إلي فيه فأول ما ارتفع إلي خصمان أشكل على من أمرهما من المدعي ومن المدعى عليه

قال المازري ولعله أشار إلى هذا الذي نبهنا عليه وللقاضي أبي الوليد بن رشد في المقدمات في باب كراء الرواحل والدواب فصل في تمييز

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت