فهرس الكتاب
أصل براءة الذمة ولكن قد يختلف النظر في تحقيق حصول ذلك المرجح في صورة النزاع
تنبيه وأجمعوا على اعتبار الأصل وإلغاء الغالب في دعوى الدين ونحوه فإن القول قول المدعى عليه وإن كان الطالب أتقى الناس والغالب أنه لا يدعي إلا حقا وأجمعوا على اعتبار الغالب وإلغاء الأصل في البينة إذا شهدت فإن الغالب صدقها والأصل براءة المشهود عليه
وقال المازري في شرح التلقين قال بعضهم المدعي من إذا سكت ترك وسكوته والمدعى عليه من إذا سكت لم يترك وسكوته
وقال آخرون المدعي من ادعى أمرا خفيا والمدعى عليه من تمسك بظاهر الأمر وما ذكرناه من اختلاف الحدين المذكورين لا ينبغي أن يعتمد عليه الفقيه في كل مسألة تعرض بل ها هنا ما هو آكد واعتباره أنفع مما قدمنا ذكره وهو استصحاب الحال فإنها هي الأصل المعتمد عليه في مقتضى النظر ولا تردد في ذلك ولا إشكال إذا لم يعارض الحال الحال ولكن قد يعترض حالان استصحاب أحد ما يضاد استصحاب الحال الآخر فهاهنا يقع الإشكال فيختلف أهل النظر من الأئمة في تمييز المدعي من المدعى عليه ويفتقر كل واحد منهما إلى ترجيح الحالة التي استصحبها ألا ترى أن المذهب عندنا على قولين في مكري دار زعم بعد إنفاقه هو والمكتري على أولها وآخرها أنها انهدمت شهرين على قول صاحب الدار وعلى قول المكتري تكون مدة الهدم ثلاثة أشهر فإن قيل القول قول المكتري لأن الأصل براءة الذمة من المطالبة والغرامة فيستصحب ذلك وإذا استصحبناه كان المكتري هو المدعى عليه والقول الآخر أن القول قول المكري لأن عقد الكراء أوجب دينا في ذمة المكتري والمكتري يدعي إسقاط بعضه فلا يصدق استصحابا لحال كون الكراء دينا في ذمته واستصحابا لكون الدار صحيحة
وكذلك اختلف عندنا على قولين فيمن قبض من رجل دنانير فلما طلبه بها دافعها زعم أنه إنما قبضها عن سلف كان أسلفه لدافعها وقال دافعها بل أنا أسلفتك إياها وما كنت أنت أسلفتني شيئا قط فإن اعتبرنا الفرق بين المدعي والمدعى عليه بأن المدعي من لو سكت ترك وسكوته وجدنا ها هنا الدافع هو المدعي لأنه لو سكت لترك وسكوته والقابض لو سكت عن جواب الطالب ما ترك وسكوته وإن بنينا على الأصل الآخر وهو دعوى الأمر الجلي أو الخفي فإنا إذا استصحبنا كون الدافع بريء الذمة من سلف هذا القابض صدقنا الدافع وجعلناه هو المدعى عليه السلف الذي الأصل عدمه وإن اعتبرنا حال القابض وأن الأصل أيضا فيه براءة ذمته فلا يؤخذ بأكثر مما أقر به جعلنا القابض هو المدعى عليه فما يعرض الإشكال إلا عند تصادم مقتضى الأحوال فيفتقر إلى ترجيح استصحاب أحد الحالين على الآخر
وقد ذكر عن شريح القاضي أنه قال وليت القضاء وعندي أني لا أعجز عن معرفة ما يتخاصم إلي فيه فأول ما ارتفع إلي خصمان أشكل على من أمرهما من المدعي ومن المدعى عليه
قال المازري ولعله أشار إلى هذا الذي نبهنا عليه وللقاضي أبي الوليد بن رشد في المقدمات في باب كراء الرواحل والدواب فصل في تمييز