الصفحة 106 من 576

المدعي من المدعى عليه وضمنه فوائد تركنا ذكرها خشية الإطالة فبهذه الوجوه وما أشبهها صعب علم القضاء ودق وتبين ذلك بأمثلة ذكرها القرافي وغيره

مسألة إذا بلغ اليتيم ورشد وطلب من الوصي ماله الذي له تحت يده فاليتيم فيما يظهر أنه صار بسبب طلبه مدع وهو مدعى عليه والوصي المطلوب هو المدعي لرد المال فعليه البينة لأن الله تعالى أمر الأوصياء بالإشهاد على الأيتام إذا بلغوا ودفعوا إليهم أموالهم فلم يأتمنهم على الدفع بل على التصرف والإنفاق خاصة فالوصي مطلوب وهو مدع واليتيم طالب وهو مدعى عليه وكذلك في دعوى الإنفاق على اليتيم لا يقبل من قوله إلا ما أشبه الصدق

مسألة وكذلك طالب الوديعة الذي سلمها بالإشهاد لأنه لم يأتمن المودع عنده لما أشهد عليه فالقول قول صاحب الوديعة مع يمينه وإن كان طالبا لأن ظاهر حال المودع عنده أنه لا يدفع ما أسلم إليه ببينة إلا بالإشهاد ليبرأ منها والأصل أيضا عدم الدفع فاجتمع الأصل والغالب على تصديق صاحب الوديعة دون القابض لها

مسألة وكذلك القراض إذا قبض ببينة فإن قبضت الوديعة أو القراض بغير بينة فالقول قول المودع عنده وقول العامل لأن يدهما يد أمانة والأمين مصدق

فرع وكذلك مدعي حرية الأصل صغيرا كان أو كبيرا يقبل قوله لأن الأصل في الناس الحرية وإنما عرض لهم الملك بسبب السبي بشرط الكفر والأصل عدم السبي ما لم يثبت عليه حوز الملك فتكون دعوى الحرية حينئذ ناقلة عن الأصل فلا تسمع إلا ببينة لكونه مدعيا ولأن العرف يكذبه

فرع وأما مدعي العتق فإنه يدعي انتقال الثابت إلى الحرية وذلك خلاف الأصل لأن الملك لما ثبت صار أصلا فمن طلب الانتقال عنه فهو مدع وعليه البينة وأما إذا تجرد الأصل عن الظاهر وعن العرف كمن ادعى على شخص دينا أو غصبا أو جناية فإن الأصل عدم هذه الأمور فالقول قول المدعى عليه مع يمينه لأن الأصل يخالف الطالب ويعضد المطلوب إلا أن يكون المدعى عليه بالغصب والجناية ممن اشتهر بذلك ونسب إليه فإنه يكشف عنه كما سيأتي في باب القضاء بالسياسة وبهذا يظهر معنى قول ابن شاس المدعي هو أضعف المتداعيين سببا

فصل ومن الأمثلة التي يكون الطالب فيها مدعى عليه إذا تداعى قزاز ودباغ جلدا فإن الدباغ مدعى عليه ومنها اختلاف الزوجين في متاع البيت فالقول قول الرجل فيما يشبه أنه للرجال والقول قول المرأة فيما يشبه أنه للنساء

ومنها لو تداعى قاض وجندي رمحا كان الجندي مدعى عليه ومنها إذا تنازعا عطار وصباغ مسكا أو صبغا قدم العطار في المسك والصباغ في الصبغ فينبغي أن يعتمد الترجيح بالعوائد وظاهر الأحوال والقرائن

تنبيه قال القرافي خولفت قاعدة الدعوى في خمسة مواطن فقبل فيها قول الطالب أحدها اللعان يقبل فيه قول الزوج لأن العادة أن الرجل ينفي عن زوجته الفواحش فحيث أقدم على رميها بالفاحشة مع الأيمان قدمه الشرع وثانيها القسامة يقبل فيها قول الطالب لترجحه باللوث وثالثها قبول الأمناء في التلف لئلا يزهد الناس في قبول الأمانات فتفوت مصالحها وحفظها

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت