الصفحة 109 من 576

وقاعدة المذهب أن كل دعوى لو أقر بها المدعى عليه لا تنفع المدعي بإقراره فإنه إذا لم يقر وأنكر تعلقت عليه اليمين على الجملة ما لم يحرم بذلك أصلا من قواعد الشرع مثل أن يطلب المحكوم عليه القاضي باليمين أنه ما جار عليه أو يطلب المشهود عليه يمين الشهود أنهم لم يكذبوا في شهادتهم فإن هذا لا يختلف في سقوط الدعوى وكونها لا يلتفت إليها لأنها تفسد قواعد الشرع في الأحكام ولا شاء أحد أن يحط منزلة القاضي أو الشهود إلا وادعى مثل ذلك حتى يؤدي ذلك إلى الوقوف عن القضاء والشهادة

وأما تحليف القاضي للشهود فليس من هذا الباب وسيأتي ذكره في قسم السياسة

مسألة وتستثنى من هذه القاعدة أيضا دعوى المرأة على زوجها أنه طلقها ودعوى العبد على سيده أنه أعتقه فإن عندنا لا تتعلق اليمين بهذه الدعوى المجردة لأجل أن ذلك لو فتح فيه الباب لم تشأ امرأة أن تستحلف زوجها كل يوم مرارا إلا وفعلت وكذا العبد مع سيده إذا ادعى عليه العتق فسقطت هذه الدعوى مع كونها مفيدة لو أقر بها المدعى عليه لأجل ما يتخوف من تكريرها مضارة حصول الأذى للأزواج والسادات فأما قولنا أو غرض صحيح فاحتراز من الدعوى بعشر سمسمة فإنه لا ينبغي للحاكم سماع مثل هذه الدعوى ونص القرافي أن هذه الدعوى وشبهها لا تسمع لأنه لا يترتب عليها نفع شرعي

الشرط الرابع أن تكون الدعوى محققة فلو قال أظن أن لي عليه ألفا أو قال المدعى عليه في الجواب أظن أني قضيته لا تسمع الدعوى لتعذر الحكم بالمجهول ولا ينبغي للحاكم أن يدخل في الخطر بمجرد الوهم من المدعي

تنبيه وينزل منزلة التحقيق الظن الغالب لأن الإنسان لو وجد وثيقة في تركة مورثه أو وجد ذلك بخطه أو بخط من يثق به أو أخبره عدل بحق له فالمنقول جواز الدعوى بمثل هذا والحلف بمجرده

وهذه الأسباب لا تفيد إلا الظن دون التحقق لكن غالب الأحكام والشهادات إنما تنبني على الظن وتتنزل منزلة التحقيق

الشرط الخامس أن تكون الدعوى مما لا تشهد العادة والعرف بكذبها والدعاوى باعتبار هذا المعنى ثلاثة أنواع نوع تكذبه العادة ونوع تصدقه العادة ونوع متوسط لا تقضي العادة بصدقه ولا بكذبه

النوع الأول ما تشهد العادة بكذبه كدعوى الحاضر الأجنبي ملك دار بيد رجل وهو يراه يهدم ويبني ويؤاجر مع طول الزمان من غير مانع يمنعه من الطلب من توقيعه رهبة أو رغبة وهو مع ذلك لا يعارضه فيها ولا يدعي أن له فيها حقا وليس بينهما شركة ثم قام يدعي أنها له ويريد أن يقيم البينة على دعواه فهذا لا تسمع دعواه أصلا فضلا عن بينته لتكذيب العرف إياه ومن ذلك لو قال رجل لعبد هذا ابني فإنه يلتحق به ما لم يكذبه الحس بأن يكون أكبر منه سنا أو العرف بأن يستيقن الناس أنه ليس بولده مثل أن يكون الغلام سنديا والرجل فارسيا لم يدخل بلاد السند قال مالك فلا يلحق به إن كذبه الشرع بأن يكون مشهور النسب ومن ذلك دعوى الغصب والفساد على رجل صالح لا ينسب إليه ذلك ولا يليق

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت