الصفحة 25 من 576

أمر الشهود والأكثرون على خلافه بدليل قوله تعالى وأشهدوا ذوي عدل منكم وقوله تعالى ممن ترضون من الشهداء

فصل فيما يلزمه من خاصة نفسه قال ابن المناصف في تنبيه الحكام واعلم أنه يجب على من تولى القضاء أن يعالج نفسه ويجتهد في صلاح حاله ويكون ذلك من أهم ما يجعله من باله فيحمل نفسه على أدب الشرع وحفظ المروءة وعلو الهمة ويتوقى ما يشينه في دينه ومروءته وعقله ويحطه عن منصبه وهمته فإنه أهل لأن ينظر إليه ويقتدى به وليس يسعه في ذلك ما يسع غيره فالعيون إليه مصروفة ونفوس الخاصة على الاقتداء بهديه موقوفة ولا ينبغي له بعد الحصول في هذا المنصب سواء وصل إليه برغبة فيه وطرح نفسه عليه أو امتحن به وعرض عليه أن يزهد في طلب الحظ الأخلص والسنن الأصلح فربما حمله على ذلك استحقار نفسه لكونه ممن لا يستحق المنصب أو زهده في أهل عصره ويأسه من استصلاحهم واستبعاد ما يرجو من علاج أمرهم وأمره أيضا لما يراه من عموم الفساد وقلة الالتفات إلى الخير فإنه إن لم يسع في استصلاح أهل عصره فقد أسلم نفسه وألقى بيده إلى التهلكة ويئس من تدارك الله تعالى عباده بالرحمة فيلجئه ذلك إلى أنه يمشي على مشي أهل زمانه ولا يبالي بأي شيء وقع فيه لاعتقاده فساد الحال وهذا أشد من مصيبة القضاء وأدهى من كل ما يتوقع من البلاء فليأخذ نفسه بالمجاهدة ويسعى في اكتساب الخير ويطلبه ويستصلح الناس بالرهبة والرغبة ويشدد عليهم في الحق فإن الله تعالى بفضله يجعل له في ولايته وجميع أموره فرجا ومخرجا ولا يجعل حظه من الولاية المباهاة بالرئاسة وإنفاذ الأمور والالتذاذ بالمطاعم والملابس والمساكن فيكون ممن خوطب بقوله تعالى أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا وليجتهد أن يكون جميل الهيئة ظاهر الأبهة وقور المشية والجلسة حسن النطق والصمت محترزا في كلامه من الفضول وما لا حاجة به كأنما يعد حروفه على نفسه عدا فإن كلامه محفوظ وزلله في ذلك ملحوظ وليقلل عند كلامه الإشارة بيده والالتفات بوجهه فإن ذلك من عمل المتكلفين وصنع غير المتأدبين وليكن ضحكه تبسما ونظره فراسة وتوسما وإطراقه تفهما ويكون أبدا مرتديا بردائه حسن الزي وليلبس ما يليق به فإن ذلك أهيب في حقه وأجمل في شكله وأدل على فضله وعقله وفي مخالفة ذلك نزول وتبذل وليلزم من الصمت الحسن والسكينة والوقار ما يحفظ به مروءته فتميل الهمم إليه ويكبر في نفوس الخصوم الجراءة عليه من غير تكبر يظهره ولا إعجاب يستشعره فكلاهما شين في الدين وعيب في أخلاق المؤمنين

ويلزم القاضي أمور منها أنه لا يقبل الهدية وإن كافأ عليها أضعافها إلا من خواص القرابة كالولد والوالد والعمة والخالة وبنت الأخ وشبههم لأن الهدية تورث إدلال المهدي وإغضاء المهدى

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت