فهرس الكتاب
أمر الشهود والأكثرون على خلافه بدليل قوله تعالى وأشهدوا ذوي عدل منكم وقوله تعالى ممن ترضون من الشهداء
فصل فيما يلزمه من خاصة نفسه قال ابن المناصف في تنبيه الحكام واعلم أنه يجب على من تولى القضاء أن يعالج نفسه ويجتهد في صلاح حاله ويكون ذلك من أهم ما يجعله من باله فيحمل نفسه على أدب الشرع وحفظ المروءة وعلو الهمة ويتوقى ما يشينه في دينه ومروءته وعقله ويحطه عن منصبه وهمته فإنه أهل لأن ينظر إليه ويقتدى به وليس يسعه في ذلك ما يسع غيره فالعيون إليه مصروفة ونفوس الخاصة على الاقتداء بهديه موقوفة ولا ينبغي له بعد الحصول في هذا المنصب سواء وصل إليه برغبة فيه وطرح نفسه عليه أو امتحن به وعرض عليه أن يزهد في طلب الحظ الأخلص والسنن الأصلح فربما حمله على ذلك استحقار نفسه لكونه ممن لا يستحق المنصب أو زهده في أهل عصره ويأسه من استصلاحهم واستبعاد ما يرجو من علاج أمرهم وأمره أيضا لما يراه من عموم الفساد وقلة الالتفات إلى الخير فإنه إن لم يسع في استصلاح أهل عصره فقد أسلم نفسه وألقى بيده إلى التهلكة ويئس من تدارك الله تعالى عباده بالرحمة فيلجئه ذلك إلى أنه يمشي على مشي أهل زمانه ولا يبالي بأي شيء وقع فيه لاعتقاده فساد الحال وهذا أشد من مصيبة القضاء وأدهى من كل ما يتوقع من البلاء فليأخذ نفسه بالمجاهدة ويسعى في اكتساب الخير ويطلبه ويستصلح الناس بالرهبة والرغبة ويشدد عليهم في الحق فإن الله تعالى بفضله يجعل له في ولايته وجميع أموره فرجا ومخرجا ولا يجعل حظه من الولاية المباهاة بالرئاسة وإنفاذ الأمور والالتذاذ بالمطاعم والملابس والمساكن فيكون ممن خوطب بقوله تعالى أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا وليجتهد أن يكون جميل الهيئة ظاهر الأبهة وقور المشية والجلسة حسن النطق والصمت محترزا في كلامه من الفضول وما لا حاجة به كأنما يعد حروفه على نفسه عدا فإن كلامه محفوظ وزلله في ذلك ملحوظ وليقلل عند كلامه الإشارة بيده والالتفات بوجهه فإن ذلك من عمل المتكلفين وصنع غير المتأدبين وليكن ضحكه تبسما ونظره فراسة وتوسما وإطراقه تفهما ويكون أبدا مرتديا بردائه حسن الزي وليلبس ما يليق به فإن ذلك أهيب في حقه وأجمل في شكله وأدل على فضله وعقله وفي مخالفة ذلك نزول وتبذل وليلزم من الصمت الحسن والسكينة والوقار ما يحفظ به مروءته فتميل الهمم إليه ويكبر في نفوس الخصوم الجراءة عليه من غير تكبر يظهره ولا إعجاب يستشعره فكلاهما شين في الدين وعيب في أخلاق المؤمنين
ويلزم القاضي أمور منها أنه لا يقبل الهدية وإن كافأ عليها أضعافها إلا من خواص القرابة كالولد والوالد والعمة والخالة وبنت الأخ وشبههم لأن الهدية تورث إدلال المهدي وإغضاء المهدى