الصفحة 29 من 576

المازري ولا يكون العوين إلا ثقة مأمونا لأنه قد يطلع من الخصوم على ما لا ينبغي أن يطلع عليه أحد الخصمين وقد يرشى على المنع والإذن وقد يخاف منه على النسوان إذا احتجن إلى خصام فكل من يستعين به القاضي على قضائه أو مشورته لا يكون إلا ثقة مأمونا

وأرزاق الأعوان الذين يوجههم في مصالح الناس ورفع المدعى عليه وغير ذلك من حقوق الناس تكون من بيت المال كالحكم في أرزاق القضاء ولا ينبغي للقاضي أن يجعل لهم شيئا في أموال المسلمين وإذا كان لهم رزق من بيت المال فلا يجوز لهم أخذ شيء على القضايا التي يبعثون فيها كما لا يجوز للقضاة أخذ شيء فإن لم يصرف لهم شيء من بيت المال دفع القاضي للطالب طابعا يرفع به الخصم إلى مجلس الحكم فإن لم يرتفع واضطر إلى الأعوان فليجعل القاضي لهم شيئا من رزقه إذا أمكنه وقوي عليه إذا رفع المطلوب مما يلزمه فإن عجز عن ذلك فأحسن الوجوه أن يكون الطالب هو المستأجر على النهوض في إحضار المطلوب ورفعه فيتفق مع العوين على ذلك بما يراه إلا أن يتبين لدد المطلوب بالمطلب وأنه امتنع من الحضور بعد أن دعاه فإن أجرة العوين الذي يحضره على المطلوب وأنكر ذلك ابن الفخار وستأتي في الباب الثاني والعشرين

ومنها أنه لا ينبغي له أن يبيح للناس الركوب معه إلا في حاجة أو رفع مظلمة فإنه لا بأس للقاضي أن يركب لينظر إلى الشيء مع غيره من الناس فيما قد تشوجر فيه عنده واختلط فيه الأمر وطالت فيه الخصومة ولا يجد سبيلا إلى معرفته إلا بمعاينة

وقد يكثر هذا في باب دعوى الضرر وقد ركب عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه في أمر لينظر إليه فذكر له في الطريق أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه وقف عليه وحكم فيه فانصرف ولم ينظر فيه

ومنها أنه لا ينبغي له أن يكثر الدخال عليه ولا الركاب معه ولا من يحف به في غير حاجة كانت لهم قبل ذلك إلا أن يكونوا أهل أمانة ونصيحة وفضل فلا بأس بذلك وإذا كانوا على غير هذا الوجه كبرت نفسه وعظم عنده سلطانه

ويكفي القاضي في معرفته قبح حال الرجل أن يصحبه في غير حاجة ولا دفع مظلمة ولا خصومة وحق عليه أن يمنعه من ذلك لأنهم إنما يلزمون ذلك لاستشكال أموال الناس لأنهم يرون الناس أن لهم عند القاضي منزلة ولهذا قالوا من تردد إلى القاضي ثلاث مرات في غير حاجة فذلك جرحة في عدالته ويمنع من يجلس في دهليزه لغير حاجة لأن ذلك مأكلة للناس وحيلة عليهم ولا يبيح مجلسه لمن يريد أن يتزين بمجالسته أو يتعلم أحكامه فإن ذلك من خلق المستأكلين وإنما يجالسه الفقهاء والعدول الذين يحتاج إلى فقههم وشهادتهم

ومنها أنه لا يري الناس أن لأحد عنده منزلة مثل أن يدعو شخصا معينا للتزكية والتجريح والشهادة والكشف عما يريد

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت