الصفحة 53 من 576

مالك فمثل هؤلاء إذا أشكل عليهم التاريخ في مذهب مالك فهم يعرفون أصول من اجتهدوا في مذهبه ومأخذه وما ينبني عليه مذهبه فيغلب على ظنه المتقدم من المتأخر لاطلاعهم على المذهب ومأخذه ومعرفتهم أن أحد المأخذين أرجح من الآخر فيغلب على الظن أن الحكم الذي دل عليه المأخذ هو الراجح وأما من لم يبلغ رتبة الاجتهاد في المذهب ورأى قول ابن القاسم رواية عن مالك ورواية غيره عن مالك أيضا فليس له أن يجزم بقول ابن القاسم أنه المتأخر لأنه ليس له رتبة الاجتهاد في المذهب قال وكان شيخنا شمس الدين إمام المالكية بالديار المصرية أبو الحسن الأنباري قدس الله روحه يرجح قول ابن القاسم ويرى أنه المتأخر إلا فيما شذ وتقرير هذه الطريقة على مذهب شيخنا رضي الله عنه أن نقول القولان والثلاثة موجودة في المذهب وقد صارت هذه الأقوال الثلاثة هنا مثلا بمنزلة النصوص المتواترة عن الشريعة فإذا جهل التاريخ ونقل على ألسنة الآحاد المتقدم والمتأخر فينسخ المتقدم وصار النسخ هنا ظاهرا بالظن لأن الحكم في هذا معلوم فلما التبس بعده اكتفى في التعيين بأخبار الآحاد والمطلوب في هذا المحل ما يغلب على الظن

وقول ابن القاسم هو روايته عن مالك فيما يغلب على الظن وبيان ذلك أن ابن القاسم لزم مالكا رضي الله عنه أزيد من عشرين سنة ولم يفارقه حتى توفي وكان لا يغيب عن مجلسه إلا لعذر وكان عالما بالمتقدم والمتأخر والظن به مع ثقتنا بعلمه بمذهب مالك أنه يعلم المتقدم من المتأخر وأن الأول متروك والمتأخر معمول به وهو قد نقل مذهبه للناس ليعملوا به

والذي يعمل به هو المتأخر دون المتقدم ولو نقل قول مالك مطلقا لأورث وقفا وحيرة ويعتقد أنه ما نقل القول إلا ليعمل به وانضاف إلى ذلك كثرة ورعه فيغلب على الظن أنه المتأخر إلا أن ينقل المتقدم وينص عليه أو يرى من حيث النظر أن مأخذه أرجح في ظنه من مأخذ المتأخر فيحكي القولين ويقول وبأول قوليه أقول لا على معنى التقليد لمالك رضي الله عنه بل لما أداه إليه اجتهاده

وأما من قلد مالكا فإنما يأخذ بالقول المرجوع إليه عند ابن القاسم لأنه يغلب على الظن الراجح لمصير مالك إليه آخرا مع ذكره القول الأول

وأما قوله من حصل طرفا من النظر في طرق الاجتهاد هل له أن يرجح أحد الأقوال

فالجواب عن هذا أن من كان عارفا بمأخذ صاحب المذهب ماهرا في الأصول عالما بما تقدم وما تأخر عالما بالترجيح فيجوز له ذلك وإن لم يكن له بهذه الصفة وقد أخذ بطرف من النظر واستأنس بمذاهب الفقهاء فلا يجوز تقليده فيما نقل من ذلك ويرجع إلى قول من كان مجتهدا في المذهب فإن لم يجد من هذه صفته فلينتقل إلى مذهب آخر فليقلد من كان عالما به مجتهدا فيه فإن كان شغر الزمان من المجتهدين والمفتين في المذاهب فهل له أن يقلد من هذه صفته أو لا هذه مسألة لا أذكر فيها نصا لعالم والذي يظهر لي التقليد لضرورة العمل

وقد قال بعض المحققين عند شغور الزمان من المجتهدين ولم نجد قولا لمجتهد ميت ووجدنا من حصل طرفا من النظر وأحكم الأكثر فإنه يقلد مع القول بأنه ليس على وجه الأرض الآن مجتهد وهذا مذهبي فهذا الاعتقاد لا يتصور إلا من عالم مجتهد مطلقا وحينئذ تصح دعواه

قال وقوله لا يلتفت إلى قول من قال

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت