القاضي الثاني ولا يكون حكم القاضي الأول متناولا إلا لما باشره بالحكم وسبب ذلك أن حكم القاضي لا يتعلق إلا بالجزئيات دون الكليات لأن معظم ما ينظر القاضي فيه يحتاج فيه إلى بينة والبينة إنما تشهد بما رأته أو شافهته وذلك أمر جزئي هذا هو غالب ما تشهد به البينة ويحكم القضاة به
فرع إذا ثبت ما قررناه فإن القاضي إذا فسخ نكاحا بين زوجين بسبب أن أحدهما رضع أم الآخر وهو كبير فالفسخ ثابت لا ينقضه أحد ولكنه إن تزوجها بعد ذلك فرفع أمرهما إلى غيره ممن ولي بعده لم يمنعه ذلك الفسخ أن يجتهد ويبيحها له إن أداه اجتهاده إلى أن رضاع الكبار لا ينشر الحرمة وكذا لو رفع إليه نفسه وبغير اجتهاده فله أن يبيحها له
فرع وكذا من تزوج امرأة في عدتها ورفع ذلك إلى قاض مالكي فإنه يرى مع الفسخ تأبيد التحريم ومع هذا فإن حكمه لا يتعدى الفسخ فإذا تزوجها بعد ذلك ورفع أمرهما إلى قاض آخر لا يرى تأبيد التحريم لم يكن القضاء الأول مانعا من أن يبيحها له ويكون الحكم في حق المرأتين في هذا الفرع والذي قبله حكم امرأتين لم يتقدم عليهما حكم
فرع وكذلك لو جمع رجل في عقد النكاح بين النكاح والبيع أو بين النكاح والإجارة ورفع ذلك إلى قاض مالكي فحكم بالفسخ على مشهور المذهب لرأي رآه أو لتقليده ابن القاسم في ذلك ثم تزوج ذلك الرجل تلك المرأة بعينها على ذلك الوجه الفاسد الذي حكم القاضي بفسخه بينهما فرفع أمرهما إلى القاضي الأول أو إلى قاض غيره فإن حكم القاضي الأول لا يتناول فساد هذا الفعل الثاني بل إذا أدى نظر القاضي الثاني إلى خلاف ما أدى إليه اجتهاد الأول إما من إمضاء النكاح أو البيع مطلقا أو بشرط أن يبقى للبضع ربع دينار أمضاه
انتهى من كلام القرافي رحمة الله عليه
فصل قال القرافي في المواضع التي تصرفات الحكام فيها ليست بحكم ولغيرها من الحكام تغييرها والنظر فيها وهي أنواع كثيرة وقد التبس أمر ذلك على كثير من الفقهاء فإن الحكم لا يجوز نقضه وغيره يجوز نقضه وأنا أذكر من جملة ما ذكروه عشرين نوعا وهي عامة تصرفاتهم فيسلم فيها من الغلط
النوع الأول العقود كالبيع والشراء في أموال الأيتام والغائبين والمجانين وعقد النكاح على من بلغ من الأيتام وعلى من هو تحت الحجر من النساء ومن ليس لها ولي وعقد الإجارة على الأملاك المحجور عليهم ونحو ذلك فهذه التصرفات ليست حكما ولغيرهم النظر فيها فإن وجدها بالثمن البخس أو بدون أجرة المثل أو وجد المرأة غير كفء فله نقل ذلك على الأوضاع الشرعية ولا تكون هذه التصرفات في هذه الأعيان والمنافع حكما في نفسها ألبتة نعم قد تكون حكما في غيرها بأن تتوقف هذه التصرفات على إبطال تصرفات متقدمة على هذه التصرفات الواقعة من الحاكم الآن كتزويجها بعد أن تزوجت من غير هذا الزوج والحاكم يعلم ذلك أو بيع العين من رجل آخر والحاكم يعلم ذلك ونحو ذلك فإن ثبوت هذه التصرفات الأخيرة في هذه العقود يقتضي فسخ تلك العقود السابقة ظاهرا وقد تقدم ذكر ذلك
النوع الثاني إثبات الصفات في الذوات نحو ثبوت العدالة عند حاكم أو الجرح أو أهلية الإمامة للصلاة أو أهلية الحضانة أو أهلية الوصية