فهرس الكتاب

الصفحة 1057 من 1458

وَاسْتَشْهَدَ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى - إِذْ رَأَى نَارًا فَقَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا} [طه: 9 - 10] .

وَوَجْهُ الِاسْتِشْهَادِ: أَنَّ النَّارَ الَّتِي رَآهَا مُوسَى كَانَتْ مَبْدَأً فِي طَرِيقِ نُبُوَّتِهِ.

وَ"الْبَرْقُ"مَبْدَأٌ فِي طَرِيقِ الْوَلَايَةِ الَّتِي هِيَ وِرَاثَةُ النُّبُوَّةِ.

وَقَوْلُهُ"بَاكُورَةٌ: الْبَاكُورَةُ هِيَ أَوَّلُ الشَّيْءِ، وَمِنْهُ بَاكُورَةُ الثِّمَارِ. وَهُوَ لِمَا سَبَقَ نَوْعَهُ فِي النُّضْجِ."

وَقَوْلُهُ"يَلْمَعُ لِلْعَبْدِ"أَيْ يَبْدُو لَهُ وَيَظْهَرُ"فَتَدْعُوهُ إِلَى الدُّخُولِ فِي هَذِهِ الطَّرِيقِ"وَلَمْ يُرِدْ طَرِيقَ أَهْلِ الْبِدَايَاتِ. فَإِنَّ تِلْكَ هِيَ الْيَقَظَةُ الَّتِي ذَكَرَهَا فِي أَوَّلِ كِتَابِهِ، وَإِنَّمَا أَرَادَ: طَرِيقَ أَرْبَابِ التَّوَسُّطِ وَالنِّهَايَاتِ.

وَعَلَى هَذَا: فَالْبَرْقُ - الَّذِي أَشَارَ إِلَيْهِ - هُوَ بَرْقُ الْأَحْوَالِ، لَا بَرْقُ الْأَعْمَالِ، أَوْ بَرْقٌ لَا سَبَبَ لَهُ مِنَ السَّالِكِ. إِنَّمَا هُوَ مُجَرَّدُ مَوْهِبَةٍ.

وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّهُ أَرَادَ مَا يَحْصُلُ لِأَرْبَابِ التَّوَسُّطِ وَالنِّهَايَاتِ: أَنَّهُ أَخَذَ - بَعْدَ تَعْرِيفِهِ - يُفَرِّقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْوَجْدِ.

فَقَالَ: وَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْوَجْدِ: أَنَّ الْوَجْدَ يَقَعُ بَعْدَ الدُّخُولِ فِيهِ. وَالْبَرْقُ قَبْلَهُ. فَالْوَجْدُ زَادٌ. وَالْبَرْقُ إِذْنٌ.

يُرِيدُ: أَنَّ الْبَرْقَ نُورٌ يَقْذِفُهُ اللَّهُ فِي قَلْبِ الْعَبْدِ، وَيُبْدِيهِ لَهُ. فَيَدْعُوهُ بِهِ إِلَى الدُّخُولِ فِي الطَّرِيقِ. وَالْوَجْدُ هُوَ شِدَّةُ الطَّلَبِ، وَقُوَّتُهُ الْمُوجِبَةُ لِتَأْجِيجِ اللَّهِيبِ مِنَ الشُّهُودِ، كَمَا تَقَدَّمَ.

وَ"الْوَجْدُ زَادٌ"يَعْنِي: أَنَّهُ يَصْحَبُ السَّالِكَ كَمَا يَصْحَبُهُ زَادُهُ. بَلْ هُوَ مِنْ نَفَائِسِ زَادِهِ وَ"الْبَرْقُ إِذْنٌ"يَعْنِي إِذْنًا فِي السُّلُوكِ، وَالْإِذْنُ إِنَّمَا يُفْسِحُ لِلسَّالِكِ فِي الْمَسِيرِ لَا غَيْرَ.

[دَرَجَاتُ الْبَرْقِ]

[الدَّرَجَةُ الْأُولَى بَرْقٌ يَلْمَعُ مِنْ جَانِبِ الْعِدَةِ فِي عَيْنِ الرَّجَاءِ]

قَالَ: وَهُوَ ثَلَاثُ دَرَجَاتٍ. الْأُولَى: بَرْقٌ يَلْمَعُ مِنْ جَانِبِ الْعِدَةِ فِي عَيْنِ الرَّجَاءِ. فَيَسْتَكْثِرُ فِيهِ الْعَبْدُ الْقَلِيلَ مِنَ الْعَطَاءِ، وَيَسْتَقِلُّ فِيهِ الْكَثِيرَ مِنَ الْإِعْيَاءِ، وَيَسْتَحْلِي فِيهِ مَرَارَةَ الْقَضَاءِ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت