فهرس الكتاب

الصفحة 1340 من 1458

الْكُفَّارِ فِي آيَاتِ الِاقْتِرَاحِ، إِذَا جَاءَتْهُمْ وَلَمْ يُؤْمِنُوا بِهَا، فَقَالَ {وَلَوْ أَنْزَلْنَا مَلَكًا لَقُضِيَ الْأَمْرُ ثُمَّ لَا يُنْظَرُونَ} [الأنعام: 8] ثُمَّ بَيَّنَ سُبْحَانَهُ أَنَّهُ لَوْ أَنْزَلَ مَلَكًا - كَمَا اقْتَرَحُوا - لَمَا حَصَلَ بِهِ مَقْصُودُهُمْ؛ لِأَنَّهُ إِنْ أَنْزَلَهُ فِي صُورَتِهِ لَمْ يَقْدِرُوا عَلَى التَّلَقِّي عَنْهُ، إِذِ الْبَشَرُ لَا يَقْدِرُونَ عَلَى مُخَاطَبَةِ الْمَلَكِ وَمُبَاشَرَتِهِ وَقَدْ كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ أَقْوَى الْخَلْقِ - إِذَا نَزَلَ عَلَيْهِ الْمَلَكُ كَرَبَ لِذَلِكَ، وَأَخَذَهُ الْبُرَحَاءُ، وَتَحَدَّرَ مِنْهُ الْعَرَقُ فِي الْيَوْمِ الشَّاتِي، وَإِنْ جَعَلَهُ فِي صُورَةِ رَجُلٍ؛ حَصَلَ لَهُمْ لَبْسٌ؛ هَلْ هُوَ رَجُلٌ، أَمْ مَلَكٌ؟ فَقَالَ تَعَالَى {وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ} [الأنعام: 9] فِي هَذِهِ الْحَالِ {مَا يَلْبِسُونَ} [الأنعام: 9] عَلَى أَنْفُسِهِمْ حِينَئِذٍ، فَإِنَّهُمْ يَقُولُونَ - إِذَا رَأَوُا الْمَلَكَ فِي صُورَةِ الْإِنْسَانِ - هَذَا إِنْسَانٌ، وَلَيْسَ بِمَلَكٍ، فَهَذَا مَعْنَى الْآيَةِ، فَأَيْنَ تَجِدُهُ مِمَّا عُقِدَ لَهُ الْبَابُ؟

[فَصْلٌ حَقِيقَةُ التَّلْبِيسِ]

فَصْلٌ

قَالَ:"التَّلْبِيسُ: تَوْرِيَةٌ بِشَاهِدٍ مُعَارٍ عَنْ مَوْجُودٍ قَائِمٍ، لَمَّا كَانَتِ"التَّوْرِيَةُ"إِظْهَارَ خِلَافِ الْمُرَادِ، بِأَنْ يَذْكُرَ شَيْئًا يُوهِمُ أَنَّهُ مُرَادُهُ، وَلَيْسَ هُوَ بِمُرَادِهِ، بَلْ وَرَّى بِالْمَذْكُورِ عَنِ الْمُرَادِ: فُسِّرَ"التَّلْبِيسُ"بِهَا، وَفِي الْحَدِيثِ" «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِذَا أَرَادَ غَزْوَةً وَرَّى بِغَيْرِهَا» "مِثَالُهُ: أَنْ يُرِيدَ غَزْوَ خَيْبَرَ فَيَقُولُ لِلنَّاسِ: كَيْفَ طَرِيقُ نَجْدٍ، وَمَا بِهَا مِنَ الْمِيَاهِ؟ وَنَحْوُ ذَلِكَ."

فَهَاهُنَا شَيْئَانِ: أَمْرُ سَتْرِ الْمُورِّي الْمُلَبِّسِ، وَأَمْرُ سَتْرِ مَا وَرَّى عَنْهُ، فَأَشَارَ الْمُصَنِّفُ إِلَى الْأَمْرَيْنِ بِقَوْلِهِ"تَوْرِيَةُ شَاهِدٍ مُعَارٍ عَنْ مَوْجُودٍ قَائِمٍ"فَأَمَّا"التَّوْرِيَةُ"فَقَدْ عَرَفْتَهَا، وَأَمَّا"الشَّاهِدُ"فَهُوَ الَّذِي تُوَرِّي بِهِ عَنْ مُرَادِكَ وَتَسْتَشْهِدُ بِهِ، وَأَمَّا"الْمُعَارُ"فَهُوَ الشَّاهِدُ الَّذِي اسْتُعِيرَ لِغَيْرِهِ لِيَشْهَدَ لَهُ، فَهُوَ شَاهِدٌ اسْتُعِيرَ لِمَشْهُودٍ قَائِمٍ، فَالتَّوْرِيَةُ: أَنْ تَذْكُرَ مَا يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ، وَمَقْصُودُكَ خِلَافُ الَّذِي يَظْهَرُ مِنْهُمَا، وَالتَّلْبِيسُ: يُشْبِهُ التَّعْمِيَةَ وَالتَّخْلِيطَ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ {وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ} [البقرة: 42] وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَمُ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت