فهرس الكتاب

الصفحة 299 من 1458

تَقَدَّمَ فَهُوَ اسْتِثْنَاءٌ مِنَ الْقُبْحِ الْمَفْهُومِ مِنْ ذَلِكَ التَّحْرِيمِ وَالذَّمِّ لِمَنْ فَعَلَهُ، فَحَسُنَ أَنْ يُقَالَ: إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ.

فَتَأَمَّلْ هَذَا فَإِنَّهُ مِنْ فِقْهِ الْعَرَبِيَّةِ.

وَأَمَّا قَوْلُهُ: {لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَى} [الدخان: 56] فَهَذَا الِاسْتِثْنَاءُ هُوَ لِتَحْقِيقِ دَوَامِ الْحَيَاةِ وَعَدَمِ ذَوْقِ الْمَوْتِ، وَهُوَ يَجْعَلُ النَّفْيَ الْأَوَّلَ الْعَامَّ بِمَنْزِلَةِ النَّصِّ الَّذِي لَا يَتَطَرَّقُ إِلَيْهِ اسْتِثْنَاءٌ الْبَتَّةَ، إِذْ لَوْ تَطَرَّقَ إِلَيْهِ اسْتِثْنَاءُ فَرْدٍ مِنْ أَفْرَادِهِ لَكَانَ أَوْلَى بِذِكْرِهِ مِنَ الْعُدُولِ عَنْهُ إِلَى الِاسْتِثْنَاءِ الْمُنْقَطِعِ، فَجَرَى هَذَا الِاسْتِثْنَاءُ مَجْرَى التَّأْكِيدِ، وَالتَّنْصِيصِ عَلَى حِفْظِ الْعُمُومِ، وَهَذَا جَارٍ فِي كُلِّ مُنْقَطِعٍ، فَتَأَمَّلْهُ فَإِنَّهُ مِنْ أَسْرَارِ الْعَرَبِيَّةِ.

فَقَوْلُهُ: وَمَا بِالرَّبْعِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا الْأَوَارِيَّ، يُفْهَمُ مِنْهُ لَوْ وَجَدْتُ فِيهَا أَحَدًا لَاسْتَثْنَيْتُهُ وَلَمْ أَعْدِلْ إِلَى الْأَوَارِيِّ الَّتِي لَيْسَتْ بِأَحَدٍ.

وَقَرِيبٌ مِنْ هَذَا لَفْظَةُ"أَوْ"فِي قَوْلِهِ تَعَالَى {ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً} [البقرة: 74] وَقَوْلِهِ: {وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ} [الصافات: 147] هُوَ كَالتَّنْصِيصِ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالْأَوَّلِ الْحَقِيقَةُ لَا الْمُبَالَغَةُ، فَإِنَّهَا إِنْ لَمْ تَزِدْ قَسْوَتُهَا عَلَى الْحِجَارَةِ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ فِي الْقَسْوَةِ لَا دُونَهَا، وَأَنَّهُ إِنْ لَمْ يَزِدْ عَدَدُهُمْ عَلَى مِائَةِ أَلْفٍ لَمْ يَنْقُصْ عَنْهَا، فَذِكْرُ"أَوْ"هَاهُنَا كَالتَّنْصِيصِ عَلَى حِفْظِ الْمِائَةِ الْأَلْفِ، وَأَنَّهَا لَيْسَتْ مِمَّا أُرِيدَ بِهَا الْمُبَالَغَةُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت