غير أن بني إسرائيل لم يعملوا بنصيحته ولم يلتزموا بما شرعه الله لهم، وصبر موسى وهارون -عليهما السلام- على تعنّتهم وتجرّئهم على الله، وتطاولهم عليهما. وقد استفاض القرآن الكريم في ذكْر مواقف بني إسرائيل من موسى كثيرًا، للتنبيه على خطرهم، وتحذير الإنسانية من شرورهم التي أظهرت الأحداث في هذا العصر إعجاز وصدْق ما أخبر به القرآن الكريم عنهم.
رابعا: عيسى بن مريم -عليه السلام-.
من أولي العزم من الرّسل، ورسالته هي خاتمة رسالات بني إسرائيل. وهو -عليه السلام- كإخوانه الأنبياء والمرسلين قد تحلّى بالصبر والرحمة. وقد اتضحت معالم دعْوته ومنهج رسالته منذ ميلاده حين أنطقه الله وهو ما زال في المهد صبيًا. وقد تحدّث القرآن الكريم عن هذا المنهج في قوله تعالى: {قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا * وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلاَةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا * وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا * وَالسَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا} .
وقد صبرت أمه مريم عليها السلام على تلك الألسنة التي تطاولت عليها، وعلى تلك النظرة المريبة التي لاحقتْها أثناء الحمل والولادة. وكان ثمار هذا الصبر الجميل، والتحمل الذي لا يطيقه بشَر: أن تولّى الله عنايتها، وأظهر لها من المعجزات ما ثبّت قلبها وهدّأ من روعها؛ وهذا جزاء الصابرين. قال تعالى: {إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ} .
خامسا: إمام الصابرين، أشرف الخلْق وخاتم الرسُل محمد -صلى الله عليه وسلم-.
لقد كانت حياته -صلى الله عليه وسلم- وسيرته بعد انتقاله للرفيق الأعلى تجسيدًا حيًا ونموذجًا فريدًا للصبر والحلْم وتحمّل كلّ صنوف الإيذاء والعنت، بنفْس صافية لا تحمل