وقد نهى -صلَّى الله عليه وسلَّم- عن التَّفاضل الَّذي تمليه العصبيَّة الحمقاء والخصومة الحاقدة، فقد جاء في"الصحيحين"عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: استبَّ رجلٌ من المسلمين، ورجلٌ من اليهود، فقال اليهوديُّ في قَسم يُقسمه: لا، والَّذي اصطفى موسى على العالمين! فرفع المسلمُ يده فلطم بها وجهَ اليهوديِّ، فقال: أيْ خبيثُ، وعلى محمد -صلَّى الله عليه وسلَّم-؟ فجاء اليهوديُّ إلى النَّبيِّ -صلَّى الله عليه وسلَّم- فاشتكى على المسلم، فقال رسول الله -صلَّى الله عليه وسلَّم-: (( لا تفضلوني على الأنبياء ... الحديث ) )رواه الشَّيخان.
فالمراد بذلك النَّهيُ الَّذي يمليه التَّعصب المذموم، ولقد ذكر القرآن الكريم أنَّ الرسل هم أفضل الخلق، قال تعالى:
{إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ * ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} [آل عمران:33 - 34] .
وأنَّ الله -سبحانه وتعالى- فضَّل أولي العزم من الرُّسل، على سائر الأنبياء والمرسلين، قال تعالى:
{فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ} [الأحقاف:35] .
وهم المذكورون في قوله تعالى:
{وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا} [الأحزاب:7] .
ومحمد -صلَّى الله عليه وسلَّم- أفضلُ أولي العزم، قال تعالى:
{وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا} [النساء:113] .
وقد ذكر -صلَّى الله عليه وسلَّم- الأمورَ الَّتي اختصه اللهُ بها، وفُضِّل من خلالها على جميع الأنبياء والمُرسلين، ممَّا سنوضِّحه في الأدلَّة التَّالية:
أ- روي عن جابر -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلَّى الله عليه وسلَّم-: (( أُعْطِيتُ خَمْسًا لَمْ يُعْطَهُنَّ أَحَدٌ مِنْ الْأَنْبِيَاءِ قَبْلِي: نُصِرْتُ بِالرُّعْبِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ، وَجُعِلَتْ لِي الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا، وَأُحِلَّتْ لِيَ الْغَنَائِمُ وَلَمْ تُحَلَّ لِأَحَدٍ قَبْلِي، وَأُعْطِيتُ الشَّفَاعَةَ، وَكَانَ كلُّ نبِيُّ يُبْعَثُ إِلَى قَوْمِهِ خَاصَّةً، وَبُعِثْتُ إِلَى النَّاسِ عامَّةً ) )رواه الشيخان.