كما أن السّنّة النبوية هي المرجع العلْمي والثقافي الذي يصوغ عقل الأمّة صياغة فريدة متميّزة، وتزن أعمالها في شتّى المجالات بميزان دقيق. وإنّ حاجة المسلمين إلى سنّة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ضرورية في كلّ زمان ومكان، كحاجتهم إلى القرآن الكريم؛ فالسُّنّة هي الترجمة العمليّة للقرآن، ماثلة تمام التماثل في شخص رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قولًا وعملًا. والدّعاة إلى الله هم أحوج الناس إلى السّنّة، وأكثرهم برسول الله -صلى الله عليه وسلم- اقتداء. وهم في قيامهم بواجب الدّعوة إلى الله يتتبّعون خُطاه -صلى الله عليه وسلم-، ويقتفون أثَره في منهج الدّعوة إلى الله ووسائلها وأساليبها. ولا يَتصوّر عقل أو منطق: أن ينخرط إنسان في سلْك الدّعاة وهو لم يتزوّد بقبسات الهدْي النبوي، ولم يكوِّن عقله وفكره بأقواله -صلى الله عليه وسلم- وبأفعاله. قال تعالى: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا} .
وترجع أهمِّية السّنّة للأمّة الإسلامية عمومًا، وللدّعاة إلى الله خصوصًا، للأسباب التالية:
أولا: جاءت السّنّة موافقة للقرآن الكريم؛ فهي: تُفسِّر مُبهمَه، وتُفصِّل مُجملَه، وتُقيِّد مُطلَقَه، وتُخصِّص عامَّه، وتشرح أحكامه وأهدافه. كما جاءت بأحكام لم يَنصّ عليها القرآن الكريم؛ والأمثلة على ذلك كثيرة، منها -على سبيل المثال لا الحصر-:
1 -تفصيل المُجمَل: أجمع العلماء: أنه ما مِن مُجمَل في كتاب الله إلاّ جاء تفصيله في السّنّة، واستدلوا بقول الله تعالى: {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ} ؛ فقد ترك البيان لرسول الله -صلى الله عليه وسلم-، ومن ذلك: قوله تعالى: {وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ} ، وقوله تعالى: {وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ} .