وقد دافع العلماء عن هذه الأحاديث الأربعة بأن معاني هذه الأحاديث صحيحة واستشهدوا لها بما في كُتُبِ السُنَّةِ، ولكن الشيخ الشنقيطي في كتابه"إضاءة الحالك"نقل عن ابن الصلاح أنه وصل هذه الأحاديث الأربعة، والذي استظهره السيوطي «إِطْلاَقُ أَنَّ"المُوَطَّأَ"صَحِيحٌ لاَ يَسْتَثْنِي مِنْهُ شَيْءٌ لأَنَّ مَا فِيهِ مِنَ المَرَاسِيلِ مَعَ كَوْنِهِ حُجَّةً عِنْدَهُ بِلاَ شَرْطٍ، وَعِنْدَ مَنْ يُوَافِقُهُ مِنْ الأَئِمَّةِ فِي الاحْتِجَاجِ بِالمُرْسَلِ، فَهُوَ أَيْضًا حُجَّةَ عِنْدَنَا لأَنَّ الْمُرْسَلَ - عِنْدَنَا - حُجَّةَ إِذَا اعْتُضِدَ، وَمَا مِنْ مُرْسَلٍ فِيْ"المُوَطَّأَ"إِلاَّ وَلَهُ عَاضِدٌ أَوْ عَواضِدَ» (1) .
هذا وقد زعم ابن حزم أَنَّ في"المُوَطَّأ"أحاديث ضعيفة، وَهَّاهَا العلماء، وقد تَعَقَّبَهُ اللَّكْنَوِي: «بِأَنَّهَا لَمْ تَصِلْ إِلَى حَدِّ السُّقُوطِ وَالوَضْعِ، وَلَعَلَّ مَا نَقَلَهُ ابْنُ حَزْمٍ مِنْ تَوْهِينِ العُلَمَاءِ لِبَعْضِ تِلْكَ الأَحَادِيثِ نَاشِئٌ مِنْ حُكْمِهُمُ عَلَيْهَا بِالنَّظَرِ إِلَى الطُّرُقِ التِي وَصَلَتْهُمْ، أَمَّا بِالنَّظَرِ لِطَّرِيقِ مَالِكٍ فَهِيَ عِنْدَهُ صَحِيحَةٌ، وَهُوَ أَوْلَى أَنْ يُؤْخَذَ رَأْيُِهُ فِيْ شُيُوخِهِ وَمَنْ رَوَىَ عَنْهُمْ إِذْ هُوَ أَدْرَى? بِهِمْ وَأَعْرَفُ» .
وقد بلغت روايات"المُوَطَّأ"المتداولة نحوًا من ثلاثين نسخة من أشهرها:"موطأ يحيى بن يحيى الليثي"و"موطأ ابن بُكَيْرٍ"و"موطأ أبي مُصعب"و"موطأ ابن وَهْبٍ"و"موطأ الإمام محمد بن الحسن"وهذه النسخ تختلف فيما بينها تقديمًا وتأخيرًا وزيادة ونقصًا لاختلاف الزمن الذي رويت فيه عن مالك، مع ما كان عليه - رَحِمَهُ اللهُ - من إدامة النظر في"موطئه"فلا يبعد أن يزيد فيه أحيانًا، وأن ينقص منه أحيانًا حسبما يتراءى له من النظر.
ولهذا اختلفت الأقوال في عدد أحاديث"المُوَطَّأ"نظرًا لاختلاف النسخ المتداولة، فأبو بكر الأَبْهُرِي يقول: «جُمْلَةُ مَا فِي"المُوَطَّأِ"مَنَ الآثَارِ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّىَ اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَعَنِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ، أَلْفٌ وَسَبْعُمِائَةٍ وَعِشْرُونَ حَدِيثًا، المُسْنَدُ
(1) "شرح الموطأ": ص 8.