كان للصحابة رأيان في المسألة أو ثلاثة كان له فيها رأيان أو ثلاثة، ومن هنا لم يَعُدَّهُ بعض العلماء من الأئمة الفقهاء كما فعل ابن عبد البر في"الانتقاء"وابن جرير الطبري في"اختلاف الفقهاء"، ولقي بسبب ذلك عَنَتًا شَدِيدًا من الحنابلة في زمنه. ولكن الحق أنه إمام مجتهد فقيه لا شك في ذلك، وإن كانت صبغة الحديث عليه أغلب.
وقد كان من أخلد آثار الإمام وأجزلها فائدة وأعظمها بركة عَلَى السُنَّةِ كتابه"المسند"الذي أورد فيه نحو أربعين ألف حديث، منها عشرة آلاف مكررة، من مجموع سبعمائة ألف حديث وخمسين ألفًا كان يحفظها، وطريقته في تأليفه أنه يجمع أحاديث كل صحابي في باب واحد، فما روي عن أبي بكر - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - مثلًا يجمعه في باب واحد، رغم اختلاف موضوعات الأحاديث.
وقد اختلف العلماء في درجة السند.
فقال قوم - منهم أبو موسى المديني - إنه كله حُجَّةٌ، وما فيه إلا صحيح، أخذًا من قول الإمام في"مسنده": «مَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ حَدِيثِ رَسُولِ اللهِ - صَلَّىَ الْلَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَارْجِعُوَا إِلَيْهِ، فَإِنْ وَجَدْتُمُوهُ، وَإِلاَّ فَلَيْسَ بِحُجَّةٍ» .
وقال قوم: «إِنَّ فِيهِ الصَّحِيحَ وَالضَّعِيِفَ وَالمَوْضُوعَ» ومِمَّنْ ذهب إلى ذلك ابن الجوزي فقد ذكر في"موضوعاته"تسعة وعشرين حَدِيثًا من"مسند"الإمام، وحكم عليها بالوضع، وزاد عليها الحافظ العراقي تسعة أحاديث حكم عليها بالوضع أيضًًا، وَرَدَّ على من قال: إن أحمد شرط الصحيح في"مسنده"، وبين أن المراد من قول الإمام السابق: «إِنَّ مَا لَيْسَ فِيهِ فَلَيْسَ بِحُجَّةٍ، لاَ أَنَّ كُلَّ مَا فِيهِ حُجَّةٌ» .
ووقف قوم موقفًا وسطًا بأن فيه الصحيح والضعيف الذي يقرب من الحسن وَمِمَّنْ ذهب إلى ذلك، الذَّهَبِيُّ، وابن حجر، وابن تيمية، والسيوطي. وتعقبوا ابن الجوزي والعراقي فيما زعماه من وجود أحاديث