الصفحة 38 من 63

ولهذا جعل النبي- صلى الله عليه وسلم - الصوم وجاء لشهوة النكاح فقال:"يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج, فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج , ومن لم يستطع فعليه بالصوم"لأن الصوم يضيق المجاري ويقلل نشوة الإنسان وفرحه وطربه وما أشبه ذلك , فتضعف شهوة النكاح في حقه , وهذا ظاهر لأن هذا مما يدل على كلام شيخ الإسلام رحمه الله , أن الأكل والشرب إنما مُنِعَ منهما لهذا السبب .

فإن قيل: بل الكحل قد ينزل إلى الجوف ويستحيل دمًا .

قيل: هذا كما قد يقال في البخار الذي يصعد من الأنف إلى الدماغ فيستحيل دمًا ، [ وكالدهن ] 114 الذي يشربه الجسم ، والممنوع منه إنما هو ما يصل إلى المعدة [ كالغذاء ] 115 ، فيستحيل دمًا ويتوزع على البدن .

ونجعل هذا وجهًا [ سادسًا ] 116 ، فنقيس الكحل والحقنة ونحو ذلك على البخور والدهن ونحو ذلك ؛ لجامع ما يشتركان فيه من أن ذلك ليس مما يتغذى به البدن ويستحيل في المعدة دمًا ، وهذا الوصف هو الذي أوجب ألا تكون هذه الأمور مفطرة ، وهذا موجود في محل النزاع ، والفرع قد يتجاذبه أصلان فيلحق كلا منهما بما يشبهه من الصفات[ المعتبرة في الشرع ، وقد ذكرنا الصفة المعتبرة في الشرع .

فإن قيل: فلو أكل ترابًا ، أو حصى ، أو غير ذلك مما لا يغذي غذاءً نافعًا . ]117

118 قيل: هذا تطبخه المعدة ويستحيل دمًا ينمي عنه البدن لكنه غذاء ناقص ، فهو كما لو أكل سما أو نحوه مما يضره ، وهو بمنزلة من أكل أكلًا كثيرا أورثه تخمة ومرضًا ، فكان منعه في الصوم عن هذا أوكد ؛ لأنه ممنوع عنه في الإفطار [ ففي ] 119 الصوم أوكد ، وهذا كمنعه من الزنا ، فإنه إذا منع من الوطء المباح فالمحظور أولى .

بقي علينا أن نورد إيرادا ثانيا على هذه المسألة:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت