الصفحة 39 من 63

فإن قيل لو أكل خرزة أو حديدة أو ما أشبه ذلك مما لايغذي إطلاقا وليس فيه تغذية فهل يفطر ؟ المسألة فيها خلاف , بعض العلماء يقول إنه لايفطر لأنه لاغذاء في ذلك , وبعضهم يقول إنه يفطر و ذلك لأنه أكل وصَدَقَ عليه أنه أكل والآية عامة { َكُلُواْ وَاشْرَبُواْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ } فإذا أكل ولو ما لا غذاء فيه أصلا فإنه يفطر بذلك , على أنه قد يقال أيضا هذا الذي لايغذي أصلا لابد أن تمتلئ به المعدة فيغني عن الجوع أليس النبي- صلى الله عليه وسلم - يربط على بطنه الحجر من الجوع لأن المعدة تتلاءم فلا تتسع وتحتاج إلى طعام , فصار هنا نقول إنه لا يرد علينا لسببين:

السبب الأول: أنه داخل في العموم ويسمى أكلا وشربا .

السبب الثاني: أنه يملؤ المعدة فيحصل به تلاءم المعدة فيمنعه من الجوع .

فإن قيل: فالجماع مفطر ، [ ودم الحيض مفطر ] 120 ، وهذه العلة منتفية [ فيهما ] 121 .

قيل: تلك أحكام ثابتة بالنص والإجماع ، فلا يحتاج إثباتها إلى القياس ؛ بل يجوز أن تكون العلل مختلفة ، فيكون تحريم الطعام والشراب والفطر بذلك لحكمة ، وتحريم الجماع والفطر به لحكمة ، والفطر بالحيض لحكمة ، فإن الحيض لا يقال فيه: إنه [ يحرم ] 122 وهذا لأن المفطرات بالنص والإجماع لما انقسمت إلى أمور اختيارية تحرم على العبد كالأكل والجماع ، وإلى أمور لا اختيار له فيها كدم الحيض ، كذلك تنقسم عللها .

فنقول: أما الجماع فإنه باعتبار أنه سبب إنزال المني يجري مجرى الاستقاءة والحيض والاحتجام ـ كما سنبينه إن شاء الله تعالى ـ فإنه من نوع الاستفراغ لا الامتلاء كالأكل والشرب ، ومن جهة أنه إحدى الشهوتين ، فجرى مجرى الأكل والشرب ، [ و ] 123 قد قال النبي - صلى الله عليه وسلم - في الحديث الصحيح عن الله ـ تعالى ـ"قال: الصوم لي وأنا أجزي به ، يدع شهوته وطعامه من أجلي".

فصار على كلام الشيخ رحمه الله أن الجماع يتجاذبه علتان:

العلة الأولى: الاستفراغ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت