الصفحة 41 من 63

هذا باعتبار جنس بني آدم ,لكن من بني آدم من يجعل جِمَاعه عبادة كما قال النبي- صلى الله عليه وسلم:"وفي بضع أحدكم صدقة , قالوا يارسول الله: أيأتي أحدنا شهوته ويكون له فيها أجر , قال: أرأيتم لو وضعها في حرام أكان عليه وزر ؟ قالوا: نعم , قال: كذلك إذا وضعها في حلال كان له أجر"فَيَعتَبِرُ أن جماعه عبادة , ولا يصده عن عبادة الله عز وجل , وهذا نبينا - صلى الله عليه وسلم - كان يدور على نساءه كلهن بغسل واحد ومع ذلك نعلم علم اليقين أنه أشد الناس عبادة لله عز وجل , لكن في الغالب أن الإنسان إذا انغمس في الشهوات غفل عن العبادات قال الله تعالى {فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ } .

بل الجماع هو غاية الشهوات ، وشهوته أعظم من شهوة الطعام والشراب ؛ ولهذا [ أوجب ] 125 على المجامع كفارة الظهار ، فوجب عليه العتق أو ما يقوم مقامه بالسنة والإجماع ؛ لأن هذا أغلظ ، [ وداعيه ] 126 أقوى ، والمفسدة به أشد ، فهذا أعظم الحكمتين في تحريم الجماع .

هذا ما أشرنا إليه قبل قليل , أن حكمة كونه شهوةً كالطعام والشراب أبلغ وأشمل من أن يكون الحكمة فيه أنه استفراغ .

وأما كونه يضعف البدن كالاستفراغ ، فذاك حكمة أخرى ، فصار فيهما كالأكل والحيض وهو في ذلك أبلغ منهما ، فكان إفساده الصوم أعظم من إفساد الأكل والحيض .

فنذكر حكمة الحيض وجريان ذلك على وفق القياس ، فنقول: إن الشرع جاء بالعدل في كل شيء ، والإسراف في العبادات من الجور الذي نهى عنه الشارع وأمر بالاقتصاد في العبادات ؛ ولهذا أمر بتعجيل الفطر وتأخير السحور ، ونهى عن الوصال وقال:"أفضل الصيام وأعدل الصيام صيام داود عليه السلام ، [ و ] 127 كان يصوم يومًا ويفطر يومًا ، ولا يَفِرُّ إذا لاقَى"،

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت