فهرس الكتاب
الحكمة من قوله"ولا يفر إذا لاقى"هي: أنَّ كونه يصوم يوما ويفطر يوما لا يُضعفه عن الصبر عند لقاء العدو , وكأن الرسول يشير إلى أنه لو صام الإنسان مواصلا لأضعفه عن الصبر عند ملاقاة العدو .
فالعدل في العبادات من أكبر مقاصد الشارع ؛ ولهذا قال تعالى:"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُحَرِّمُواْ طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللّهُ لَكُمْ"الآية [ المائدة: 87 ] ، فجعل تحريم الحلال من الاعتداء المخالف للعدل ، وقال تعالى:"فَبِظُلْمٍ مِّنَ الَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَن سَبِيلِ اللّهِ كَثِيرًا وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُواْ عَنْهُ" [ النساء: 161،160 ] ، فلما كانوا ظالمين عوقبوا بأن حرمت عليهم الطيبات ؛ بخلاف الأمة الوسط العدل ، فإنه أحل لهم الطيبات وحرم عليهم الخبائث .
فإذا قال قائل: فهذا الآن مفقود في الشريعة الإسلامية بمعنى أن الحلال حلال والحرام حرام , فلو ظلم الإنسان نفسه فهل يمكن أن يعاقب بتحريم الحلال والطيبات ؟ قلنا شرعا لايمكن وأما قَدَرًَا فيمكن بأن يصاب بفقر أو يصاب بمرض يُمنع معه من بعض الأطعمة أو ما أشبه ذلك , فالتحريم الشرعي انتهى وقته لكن التحريم القدري لم ينتهي وقته فربما يُحرَمُ الإنسان الرزق من الطيبات بظلمٍ ظلم نفسه .
وإذا كان كذلك ، فالصائم قد نهي عن أخذ ما يقويه ويغذيه من الطعام والشراب ، فينهى عن إخراج ما يضعفه ويخرج مادته التي بها يتغذى ، وإلا فإذا مكن من هذا ضره [ ذلك ] 128 ، وكان متعديًا في عبادته لا عادلًا .