وجاء البكّاؤون ـ وهم سبعة ـ يستحملون رسول الله ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ. فقال: {لا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ} 1.
وقام عُلبة بن يزيد، فصلى من اللّيل وبكى. ثم قال: (( اللهم إنّك أمرت بالجهاد، ورَغّبت فيه، ثم لم تجعل عندي ما أتقوى به مع رسولك، ولم تجعل في يد رسولك ما يحملني عليه، وإنّي أتصدّق على كلّ مسلمٍ بكلّ مظلمةٍ أصابنِي فيها: من مالٍ، أو جسدٍ، أو عرضٍ، ثم أصبح مع النّاس.
فقال النَّبِيّ ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ أين المتصدّق هذه اللّيلة؟ فلم يقم أحد، ثم قال: أين المتصدِّق؟ فلم يقم. فقام إليه فأخبره، فقال ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ: أبشر، فوالذي نفس محمّد بيده، لقد كتبتْ في الزّكاة المتقبلة )) .
وجاء الْمُعَذِّرون من الأعراب ليؤذن لهم، فلم يعذرهم.
واستخلف على المدينة محمّد بن مسلمة الأنصاري. فلمّا سار رسول الله ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ، تخلف عبد الله بن أُبي ومَن كان معه، وتخلف نفر من المسلمين من غير شكٍّ ولا ارتيابٍ، منهم الثلاثة: كعب بن مالك، وهلال بن أُمية، ومرارة بن الرّبيع، وأبو خيثمة السّالمي، وأبو ذر. ثم لحقاه، وشهدها رسول الله ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ في ثلاثين ألفًا من النّاس، والخيل عشرة آلاف فرس. وأقام بها عشرين ليلة يقصر الصّلاة. وهرقل يومئذٍ بحمص.
قال ابن إسحاق: ولما خرج رسول الله ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ، خَلَّف عليًّا على أهله. فقال المنافقون: ما خلّفه إلاّ استثقالًا له، وتخفّفًا منه. فأخذ سلاحه ولحق به بالجُرْف. فقال: يا نبيّ الله زعم المنافقون أنّك
ـــــــ
1 الآية 92 من سورة براءة.