الصفحة 181 من 335

فلما أمسى مجاعة، أرسل إلى قومه ليلًا: أن ألبسوا السّلاح النّساء والذّريّة، ثم إذا أصبحتم فقوموا مستقبلي الشّمس على حصونكم، حتى يأتيكم أمري. وبات المسلمون يدفنون قتلاهم. فلما فرغوا، جعلوا يتكمدون بالنّار من الجراح.

فلما أصبحوا أمر خالد، فسيق مجاعة في الحديد، يُعَرِّفهم القتلى فمرّ برجلٍ وسيمٍ، فقال: يا مجاعة، أهو هذا؟ قال: هذا أكرم منه، هذا محكم بن الطّفيل. إنّ الذي تبتغون؛ لرجلٌ أُصِيفِر أخِيْنِس فوجدوه، فوقف عليه خالد. فحمد الله كثيرًا، وأمر به فألقي في البئر التي كان يشرب منها.

وكان خالد يرى أنّه لم يبق منهم أحد إلاّ من لا عتاد عنده. فقال يا مجاعة، هذا صاحبكم الذي فعل بكل الأفاعيل، ما رأيت عقولًا أضعف من عقول أصاحبك، مثل هذا فعل بكم ما فعل؟

فقال مجاعة: قد كان ذلك، ولا تظنّ أنّ الحرب انقطعت، وإنّ قتلته. إنّ جماعة النّاس، وأهل البيوتات لفي الحصون، فانظر، فرفع خالد رأسه، فإذا السّلاح والخلق الكثير على الحصون، فرأى أمرًا غَمّه، ثم استند ساعة، ثم أدركته الرّجولة، فقال لأصحابه: يا خيل الله اركبي، يا صاحب الرّاية قدمها.

فقال مجاعة: إنّي لك ناصح. وإنّ السّيف قد أفناك، فتعال أصالحك عن قومي، وقد أخلّ بخالد مصاب أهل السّابقة. ومَن كان يعرف عنده الغناء فقد رقَّ وأحبّ الموادعة، مع عَجَف الكراع.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت