الصفحة 234 من 335

الثّنيّة؛ حيث لا يرونه، استقبل بوجهه البيت. ثم دعا بهؤلاء الدّعوات، ورفع يديه فقال: {رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ} 1. وجعلت أم إسماعيل ترضعه. وتشرب من الشّنة. فيدر لبنها على صبيّها. حتى إذا نَفَدَ ما في السّقاء عطشت، وعطش ابنها. وجعلت تنظر إليه يتَلَوَّى ـ أو قال: يَتَلَبَّط ـ فانطلقت كراهية أن تنظر إليه. فوجدت الصّفا أقرب جبل إليها، فقامت واستقبلت الوادي تنظر: هل ترى أحدًا؟ فلم ترَ أحدًا. فهبطت من الصّفا، حتى إذا بلغت الوادي: رفعت طرف دِرْعها. ثم سعت سعي الإنسان المجهود، حتى جاوزت الوادي. ثم أتت المروة، فقامت عليها. فنظرت: هل ترى أحدًا؟ فلم ترَ أحدًا. ففعلت ذلك سبع مرات ـ قال ابن عبّاس: قال النّبِيّ ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ: فذلك سعي النّاس بينهما ـ ثم قالت: لو ذهتُ فنظرت ما فعل؟ ـ تعني الصّبي ـ فذهبت فنظرت فإذا هو على حاله، كأنّه يَنْشَغُ للموت2. فلم تقرّ نفسها. فقالت: لو ذهبت لَعَلِّي أحسّ أحدًا؟ فذهبت فصعدت الصّفا. فنظرت فلم تحسّ أحدًا. حتى أتمت سبعًا. ثم قالت: لو ذهبت فنظرت ما فعل؟ فإذا هي بصوتٍ. فقالت: أغِثْ إن كان عندك خير. فإذا بجبريل. قال: فقال بعقبه على الأرض. فانبثق الماء فذهبت أم إسماعيل، فجعلت تحفر. فقال أبو القاسم ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ: يرحم الله أم إسماعيل، لو تركت زمزم ـ أو قال: لو لم تغرف من الماء ـ لكانت زمزم عينًا معينًا وفيش

ـــــــ

1 الآية 37 من سورة إبراهيم.

2 النّشغ: الشّهيق بشدّة حتى يبلغ إلى الغشي من شدّة البكاء.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت