الصفحة 42 من 99

وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ أَنَّهُ مَتَى رَجَا نَفْعًا فِي الدِّينِ فَبَذَلَ نَفْسَهُ فِيهِ حَتَّى قُتِلَ كان فِي أَعْلَى دَرَجَاتِ الشُّهَدَاءِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى:"وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلى مَا أَصابَكَ إِنَّ ذلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ" [لقمان:17] . [1] .

17 -وقال القرطبي: اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي اقْتِحَامِ الرَّجُلِ فِي الْحَرْبِ وَحَمْلَهُ عَلَى العدو وحده، فقال القاسم بن مُخَيْمَرَةَ وَالْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ وَعَبْدُ الْمَلِكِ مِنْ عُلَمَائِنَا: لَا بَأْسَ أَنْ يَحْمِلَ الرَّجُلَ وَحْدَهُ عَلَى الْجَيْشِ الْعَظِيمِ إِذَا كَانَ فِيهِ قُوَّةٌ، وَكَانَ لِلَّهِ بِنِيَّةٍ خَالِصَةٍ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ فِيهِ قُوَّةٌ فَذَلِكَ مِنَ التَّهْلُكَةِ. وَقِيلَ: إِذَا طَلَبَ الشَّهَادَةَ وَخَلَصَتِ النِّيَّةُ فَلْيَحْمِلْ، لِأَنَّ مَقْصُودَهُ وَاحِدٌ مِنْهُمْ، وَذَلِكَ بَيِّنٌ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى:"وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ" [البقرة:207] .وَقَالَ ابْنُ خُوَيْزِ مَنْدَادُ: فَأَمَّا أَنْ يَحْمِلَ الرَّجُلُ عَلَى مِائَةٍ أَوْ عَلَى جُمْلَةِ الْعَسْكَرِ أَوْ جَمَاعَةِ اللُّصُوصِ وَالْمُحَارِبِينَ وَالْخَوَارِجِ فَلِذَلِكَ حَالَتَانِ: إِنْ عَلِمَ وَغَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ أَنْ سَيَقْتُلُ مَنْ حَمَلَ عَلَيْهِ وَيَنْجُو فَحَسَنٌ، وَكَذَلِكَ لَوْ عَلِمَ وَغَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ أَنْ يَقْتُلَ وَلَكِنْ سَيُنْكَى نِكَايَةً أَوْ سَيَبْلَى أَوْ يُؤْثِرُ أَثَرًا يَنْتَفِعُ بِهِ الْمُسْلِمُونَ فَجَائِزٌ أَيْضًا. وَقَدْ بَلَغَنِي أَنَّ عَسْكَرَ الْمُسْلِمِينَ لَمَّا لَقِيَ الْفُرْسَ نَفَرَتْ خيل المسلمين من الْفِيَلَةِ، فَعَمَدَ رَجُلٌ مِنْهُمْ فَصَنَعَ فِيلًا مِنْ طِينٍ وَأَنَّسَ بِهِ فَرَسَهُ حَتَّى أَلِفَهُ، فَلَمَّا أَصْبَحَ لَمْ يَنْفُرْ فَرَسُهُ مِنَ الْفِيلِ فَحَمَلَ عَلَى الْفِيلِ الَّذِي كَانَ يَقْدُمُهَا فَقِيلَ لَهُ: إِنَّهُ قَاتِلُكَ. فَقَالَ: لَا ضَيْرَ أَنْ أُقْتَلَ وَيُفْتَحَ لِلْمُسْلِمِينَ. وَكَذَلِكَ يَوْمُ الْيَمَامَةِ لَمَّا تَحَصَّنَتْ بَنُو حَنِيفَةَ بِالْحَدِيقَةِ، قَالَ رَجُلٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ: ضَعُونِي فِي الْحَجَفَةِ وَأَلْقُونِي إِلَيْهِمْ، فَفَعَلُوا وَقَاتَلَهُمْ وَحْدَهُ وَفَتَحَ الْبَابَ .. [2]

18 -وقال ابن جزي المالكي: وَإِن علم الْمُسلمُونَ أَنهم مقتولون فالانصراف أولى وَإِن علمُوا مَعَ ذَلِك أَنهم لَا تَأْثِير لَهُم فِي نكاية الْعَدو وَجب الْفِرَار وَقَالَ أَبُو الْمَعَالِي لَا خلاف فِي ذَلِك وَإِذا حصرت الْمَدِينَة فضعفوا قَالَ ربيعَة الْخُرُوج إِلَى الْقِتَال أحب إِلَيّ من الْمَوْت جوعا [3] .

(1) - تفسير القرطبي (2/ 364)

(2) - تفسير القرطبي (2/ 363)

(3) - القوانين الفقهية (ص:98)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت