19 -وقال ابن عابدين: إذَا عَلِمَ أَنَّهُ يُقْتَلُ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُقَاتِلَ بِشَرْطِ أَنْ يَنْكِي فِيهِمْ وَإِلَّا فَلَا بِخِلَافِ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ (قَوْلُهُ لَمْ يَلْزَمْهُ الْقِتَالُ) يُشِيرُ إلَى أَنَّهُ لَوْ قَاتَلَ حَتَّى قُتِلَ جَازَ، لَكِنْ ذَكَرَ فِي شَرْحِ السِّيَرِ أَنَّهُ لَا بَأْسَ أَنْ يَحْمِلَ الرَّجُلُ وَحْدَهُ وَإِنْ ظَنَّ أَنَّهُ يُقْتَلُ إذَا كَانَ يَصْنَعُ شَيْئًا بِقَتْلٍ أَوْ بِجَرْحٍ أَوْ بِهَزْمٍ فَقَدْ فَعَلَ ذَلِكَ جَمَاعَةٌ مِنْ الصَّحَابَةِ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يَوْمَ أُحُدٍ وَمَدَحَهُمْ عَلَى ذَلِكَ فَأَمَّا إذَا عَلِمَ أَنَّهُ لَا يَنْكِي فِيهِمْ فَإِنَّهُ لَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَحْمِلَ عَلَيْهِمْ؛ لِأَنَّهُ لَا يَحْصُلُ بِحَمْلَتِهِ شَيْءٌ مِنْ إعْزَازِ الدِّينِ، بِخِلَافِ نَهْيِ فَسَقَةِ الْمُسْلِمِينَ عَنْ مُنْكَرٍ إذَا عَلِمَ أَنَّهُمْ لَا يَمْتَنِعُونَ بَلْ يَقْتُلُونَهُ فَإِنَّهُ لَا بَأْسَ بِالْإِقْدَامِ، وَإِنْ رُخِّصَ لَهُ السُّكُوتُ؛ لِأَنَّ الْمُسْلِمِينَ يَعْتَقِدُونَ مَا يَأْمُرُهُمْ بِهِ فَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ فِعْلُهُ مُؤَثِّرًا فِي بَاطِنِهِمْ بِخِلَافِ الْكُفَّارِ [1] .
20 -وجاء في مغني المحتاج قول الخطيب الشربيني عن حديثه عن هجوم الكفار على بلد مسلم بغتة: ... (وَإِلَّا) بِأَنْ لَمْ يُمْكِنْ أَهْلَ الْبَلْدَةَ التَّأَهُّبُ لِقِتَالٍ بِأَنْ هَجَمَ الْكُفَّارُ عَلَيْهِمْ بَغْتَةً (فَمَنْ قُصِدَ) مِنْ الْمُكَلَّفِينَ وَلَوْ عَبْدًا، أَوْ امْرَأَةً، أَوْ مَرِيضًا أَوْ نَحْوَهُ (دَفَعَ عَنْ نَفْسِهِ) الْكُفَّارَ (بِالْمُمْكِنِ) لَهُ (إنْ عَلِمَ أَنَّهُ إنْ أُخِذَ قُتِلَ) بِضَمِّ أَوَّلِهِمَا (وَإِنْ جَوَّزَ) الْمُكَلَّفُ الْمَذْكُورُ (الْأَسْرَ) وَالْقَتْلَ (فَلَهُ) أَنْ يَدْفَعَ عَنْ نَفْسِهِ وَ (أَنْ يَسْتَسْلِمَ) لِقَتْلِ الْكُفَّارِ إنْ كَانَ رَجُلًا؛ لِأَنَّ الْمُكَافَحَةَ حِينَئِذٍ اسْتِعْجَالٌ لِلْقَتْلِ، وَالْأَسْرَ يَحْتَمِلُ الْخَلَاصُ، هَذَا إنْ عَلِمَ أَنَّهُ إنْ امْتَنَعَ مِنْ الِاسْتِسْلَامِ قُتِلَ، وَإِلَّا امْتَنَعَ عَلَيْهِ الِاسْتِسْلَامِ. أَمَّا الْمَرْأَةُ فَإِنْ عَلِمَتْ امْتِدَادُ الْأَيْدِي إلَيْهَا بِالْفَاحِشَةِ فَعَلَيْهَا الدَّفْعُ وَإِنْ قُتِلَتْ؛ لِأَنَّ الْفَاحِشَةَ لَا تُبَاحُ عِنْدَ خَوْفِ الْقَتْلِ [2] .
21 -والمهذب في فقة الإمام الشافعي: فإن غلب على ظنهم أنهم إن ثبتوا لمثليهم هلكوا ففيه وجهان: أحدهما: أن لهم أن يولوا لقوله عز وجل: {وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ} [البقرة:195] والثاني: أنه ليس لهم أن يولوا وهو الصحيح لقوله عز وجل: {إذا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا} [الأنفال:45] ولأن المجاهد إنما يقاتل ليقتل أو يقتل وإن زاد عدد الكفار على مثلي عدد المسلمين فلهم أن يولوا لأنه لما أوجب الله عز وجل على المائة مصابرة المائتين
(1) - الدر المختار وحاشية ابن عابدين (رد المحتار) (4/ 127)
(2) - مغني المحتاج إلى معرفة معاني ألفاظ المنهاج (6/ 23)