فَأَمَّا الْوَجْهَانِ فِي مُوَافَقَتِهَا لِأَحْكَامِ الْقَضَاءِ:
فَأَحَدُهُمَا: جَوَازُ الِاسْتِعْدَاءِ إلَيْهِ وَسَمَاعِهِ دَعْوَى الْمُسْتَعْدِي عَلَى الْمُسْتَعْدَى عَلَيْهِ مِنْ حُقُوقِ الْآدَمِيِّينَ , وَلَيْسَ فِي عُمُومِ الدَّعَاوَى.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ لَهُ إلْزَامَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ لِلْخُرُوجِ مِنْ الْحَقِّ الَّذِي عَلَيْهِ وَلَيْسَ عَلَى الْعُمُومِ فِي كُلِّ الْحُقُوقِ , وَإِنَّمَا هُوَ خَاصٌّ فِي الْحُقُوقِ الَّتِي جَازَ لَهُ سَمَاعُ الدَّعْوَى فِيهَا إذَا وَجَبَتْ بِاعْتِرَافٍ وَإِقْرَارٍ مَعَ الْإِمْكَانِ وَالْيَسَارِ , فَيَلْزَمُ الْمُقِرَّ الْمُوسِرَ الْخُرُوجُ مِنْهَا وَدَفْعُهَا إلَى مُسْتَحِقِّهَا , لِأَنَّ فِي تَأْخِيرِهِ لَهَا مُنْكَرًا هُوَ مَنْصُوبٌ لِإِزَالَتِهِ.
وَأَمَّا الْوَجْهَانِ فِي قُصُورِهَا عَنْ أَحْكَامِ الْقَضَاءِ:
فَأَحَدُهُمَا قُصُورُهَا عَنْ سَمَاعِ عُمُومِ الدَّعَاوَى الْخَارِجَةِ عَنْ ظَوَاهِرِ الْمُنْكَرَاتِ مِنْ الدَّعَاوَى فِي الْعُقُودِ وَالْمُعَامَلَاتِ وَسَائِرِ الْحُقُوقِ وَالْمُطَالَبَاتِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّهَا مَقْصُورَةٌ عَلَى الْحُقُوقِ الْمُعْتَرَفِ بِهَا , فَأَمَّا مَا تَدَاخَلَهُ جَحْدٌ وَإِنْكَارٌ فَلَا يَجُوزُ لَهُ النَّظَرُ فِيهَا.
وَأَمَّا الْوَجْهَانِ فِي زِيَادَتِهَا عَلَى أَحْكَامِ الْقَضَاءِ:
فَأَحَدُهُمَا: أَنَّهُ يَجُوزُ لِلنَّاظِرِ فِيهَا أَنْ يَتَعَرَّضَ بِتَصَفُّحِ مَا يَأْمُرُ بِهِ مِنْ الْمَعْرُوفِ وَيَنْهَى عَنْهُ مِنْ الْمُنْكَرِ وَإِنْ لَمْ يَحْضُرْهُ خَصْمٌ مُسْتَعْدٍ , وَلَيْسَ لِلْقَاضِي أَنْ يَتَعَرَّضَ لِذَلِكَ إلَّا بِحُضُورِ خَصْمٍ يَجُوزُ لَهُ سَمَاعُ الدَّعْوَى مِنْهُ.
وَالثَّانِي: أَنَّ الْحِسْبَةَ مَوْضُوعَةٌ لِلرَّهْبَةِ فَلَا يَكُونُ خُرُوجُ الْمُحْتَسِبِ إلَيْهَا بِالْغِلْظَةِ تَجَوُّزًا فِيهَا. وَالْقَضَاءُ مَوْضُوعٌ لِلْمُنَاصَفَةِ فَهُوَ بِالْأَنَاةِ وَالْوَقَارِ أَخَصُّ [1] .
ثَانِيًا: الْمَظَالِمُ [2]
3 -وِلَايَةُ الْمَظَالِمِ قَوْدُ الْمُتَظَالِمِينَ إلَى التَّنَاصُفِ بِالرَّهْبَةِ , وَزَجْرُ الْمُتَنَازِعِينَ عَنْ التَّجَاحُدِ بِالْهَيْبَةِ. وَقَدْ بَيَّنَ الْمَاوَرْدِيُّ الصِّلَةَ بَيْنَ الْحِسْبَةِ وَبَيْنَ الْمَظَالِمِ فَقَالَ [3] : بَيْنَهُمَا شَبَهٌ مُؤْتَلِفٌ وَفَرْقٌ مُخْتَلِفٌ , فَأَمَّا الشَّبَهُ الْجَامِعُ بَيْنَهُمَا فَمِنْ وَجْهَيْنِ: فَأَحَدُهُمَا: أَنَّ مَوْضُوعَهُمَا عَلَى الرَّهْبَةِ الْمُخْتَصَّةِ بِقُوَّةِ السَّلْطَنَةِ.
(1) - والأحكام السلطانية لأبي يعلى ص 285 - 286 وتحفة الناظر وغنية الذاكر ص 178و179وتبصرة الحكام لابن فرحون 1/ 19 والمعيار 10/ 101
(2) - الموسوعة الفقهية1 - 45 كاملة - (ج 2 / ص 6022) و مجموع الفتاوى - (ج 20 / ص 392) ومجموع فتاوى ابن تيمية - (ج 4 / ص 332) والفقه الإسلامي وأدلته - (ج 4 / ص 388) والفقه الإسلامي وأدلته - (ج 8 / ص 348) ومجلة المنار - (ج 13 / ص 33) والذخيرة في الفقه المالكي للقرافي - (ج 9 / ص 158) والأحكام السلطانية - (ج 1 / ص 2) والطرق الحكمية - (ج 1 / ص 321) ومآثر الإنافة في معالم الخلافة - (ج 1 / ص 38)
(3) - الأحكام السلطانية - (ج 1 / ص 491)