38 -عَقَدَ النَّوَوِيُّ فِي الْأَذْكَارِ بَابًا فِي وَعْظِ الْإِنْسَانِ مَنْ هُوَ أَجَلُّ مِنْهُ وَقَالَ [1] : اعْلَمْ أَنَّ هَذَا الْبَابَ مِمَّا تَتَأَكَّدُ الْعِنَايَةُ بِهِ , فَيَجِبُ عَلَى الْإِنْسَانِ النَّصِيحَةُ , وَالْوَعْظُ , وَالْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُ عَنْ الْمُنْكَرِ لِكُلِّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ , إذَا لَمْ يَغْلِبْ عَلَى ظَنِّهِ تَرَتُّبُ مَفْسَدَةٍ عَلَى وَعْظِهِ.
وَأَلْحَقَ الْإِمَامُ الْغَزَالِيُّ الزَّوْجَةَ بِالنِّسْبَةِ لِزَوْجِهَا بِالْوَلَدِ بِالنِّسْبَةِ لِأَبِيهِ. وَقَالَ فِي بَابِ مَا يَقُولُهُ التَّابِعُ لِلْمَتْبُوعِ إذَا فَعَلَ ذَلِكَ أَوْ نَحْوَهُ [2] :
اعْلَمْ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ لِلتَّابِعِ إذَا رَأَى شَيْخَهُ وَغَيْرَهُ مِمَّنْ يَقْتَدِي بِهِ شَيْئًا فِي ظَاهِرِهِ مُخَالَفَةُ الْمَعْرُوفِ أَنْ يَسْأَلَهُ عَنْهُ بِنِيَّةِ الِاسْتِرْشَادِ , فَإِنْ كَانَ فَعَلَهُ نَاسِيًا تَدَارَكَهُ , وَإِنْ فَعَلَهُ عَامِدًا وَهُوَ صَحِيحٌ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ بَيَّنَهُ لَهُ , وَأَوْرَدَ جُمْلَةَ آثَارٍ فِي ذَلِكَ. وَلِلْإِمَامِ الْغَزَالِيِّ تَفْصِيلٌ , فَبَعْدَ أَنْ قَرَّرَ كَأَصْلٍ عَامٍّ أَنَّ الْمُحْتَرَمَ هُوَ الْأُسْتَاذُ الْمُفِيدُ لِلْعِلْمِ مِنْ حَيْثُ الدِّينُ , وَلَا حُرْمَةَ لِعَالِمٍ لَا يَعْمَلُ بِعِلْمِهِ وَيُعَامِلُهُ بِمُوجِبِ عِلْمِهِ الَّذِي تَعَلَّمَهُ مِنْهُ [3] . قَالَ بِسُقُوطِ الْحِسْبَةِ عَلَى الْمُتَعَلِّمِ إذَا لَمْ يَجِدْ إلَّا مُعَلِّمًا وَاحِدًا وَلَا قُدْرَةَ لَهُ عَلَى الرِّحْلَةِ إلَى غَيْرِهِ , وَعَلِمَ أَنَّ الْمُحْتَسِبَ عَلَيْهِ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يَسُدَّ عَلَيْهِ طَرِيقَ الْوُصُولِ إلَيْهِ , كَكَوْنِ الْعَالِمِ مُطِيعًا لَهُ أَوْ مُسْتَمِعًا لِقَوْلِهِ , فَالصَّبْرُ عَلَى الْجَهْلِ مَحْذُورٌ , وَالسُّكُوتُ عَلَى الْمُنْكَرِ مَحْذُورٌ , وَلَا يَبْعُدُ أَنْ يُرَجِّحَ أَحَدَهُمَا وَيَخْتَلِفُ ذَلِكَ بِتَفَاحُشِ الْمُنْكَرِ وَشِدَّةِ الْحَاجَةِ إلَى الْعِلْمِ لِتَعَلُّقِهِ بِمُهِمَّاتِ الدِّينِ [4] .
وَنَاطَ الِاحْتِسَابَ وَتَرَكَهُ بِاجْتِهَادِ الْمُحْتَسِبِ حَتَّى يَسْتَفْتِيَ فِيهَا قَلْبَهُ , وَيَزِنَ أَحَدَ الْمَحْذُورَيْنِ بِالْآخَرِ وَيُرَجِّحَ بِنَظَرِ الدِّينِ لَا بِمُوجِبِ الْهَوَى وَالطَّبْعِ [5] .
رَابِعًا - احْتِسَابُ الرَّعِيَّةِ عَلَى الْأَئِمَّةِ وَالْوُلَاةِ [6] :
39 -أَجْمَعَ الْفُقَهَاءُ عَلَى وُجُوبِ طَاعَةِ الْأَئِمَّةِ وَالْوُلَاةِ فِي غَيْرِ مَعْصِيَةٍ [7] , وَعَلَى تَحْرِيمِهَا فِي الْمَعْصِيَةِ [8] ، وَيَرَى الْغَزَالِيُّ أَنَّ الْجَائِزَ فِي الْحِسْبَةِ مِنْ الرَّعِيَّةِ عَلَى الْأَئِمَّةِ وَالْوُلَاةِ رُتْبَتَانِ: التَّعْرِيفُ
(1) - الأذكار للنووي - (ج 1 / ص 316)
(2) - الأذكار للنووي - (ج 1 / ص 323) وآفات على الطريق كامل - (ج 1 / ص 309)
(3) - إحياء علوم الدين - (ج 2 / ص 155)
(4) - إحياء علوم الدين - (ج 2 / ص 158)
(5) - الإحياء 2/ 411 - 412
(6) - الموسوعة الفقهية 1 - 45 كاملة - (ج 2 / ص 6071) وقد أفردناه ببحث مطول لأهميته
(7) - لقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا} (59) سورة النساء
(8) - شرح مسلم للنووي 12/ 220 - 221