فهرس الكتاب

الصفحة 180 من 410

يس، مع صفات نقص أخرى من التفريط والنسيان والكفر بنعمة الله وغير ذلك مما هو جبلة وطبيعة فيه؛ فجاءت الشريعة آمرة أتباعها بأن يتواصوا بالحق والصبر [1] ، وأن يأمر بعضهم بعضًا بالمعروف وينهى بعضهم بعضًا عن المنكر [2] ؛ ليحصل تدارك النقص وتلافي الخلل.

يقول الله جل حلاله: {وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} (104) سورة آل عمران، يقول سيد قطب رحمه الله تعالى"فلا بُدَّ من جماعة تدعو إلى الخير وتأمر بالمعروف وتنهى عن المُنكر، وهو تكليفٌ ليس بالهيِّن ولا اليسير، إذا نظرنا إلى طبيعته، وإلى اصطدامه بشَهَوات النَّاس ونَزَواتهم، ومصالح بعضهم ومنافعهم، وغُرُور بعضهم وكبريائهم، وفيهم الجبَّار الغاشم، وفيهم الحاكم المُتسلِّط، وفيهم المُنْحَلُّ الذي يكره الجِدَّ، وفيهم الظالم الذي يكره العدل، وفيهم المُنحرف الذي يكره الاستقامة، وفيهم من يُنكرون المعروف ويعرفون المُنكر. ولا تُفلِح الأُمَّة، ولا تُفْلِح البشريَّة، إلا أن يسود الخير، وإلا أن يكون المعروف معروفًا والمُنكر منكرًا" [3] .

وفي موضعٍ آخرَ من السُّورة نفسها يمدح الله جل حلاله أُمَّة محمد - صلى الله عليه وسلم - مُبيِّنًا مُسَوِّغات هذا المدح بقوله: {كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُم مِّنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ} (110) سورة آل عمران. قال القُرطُبيُّ رحمه الله"مَدْحٌ لهذه الأُمَّة ما أقاموا ذلك واتَّصفوا به؛ فإذا تركوا التَّغيير وتواطئوا على المُنكر زال عنهم اسم المدح، ولحقهم اسم الذَّمِّ، وكان ذلك سببًا لهلاكهم" [4] . و عَنْ قَتَادَةَ، قَالَ: ذُكِرَ لَنَا أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَالَ فِي حَجَّةٍ حَجَّهَا وَرَأَى مِنَ النَّاسِ رِعَةً سَيِّئَةً، فَقَرَأَ هَذِهِ: كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ الْآيَةَ، ثُمَّ قَالَ:"يَا أَيُّهَا النَّاسُ مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَكُونَ مِنْ تِلْكِ الْأُمَّةِ، فَلْيُؤَدِّ شَرْطَ اللَّهِ مِنْهَا" [5] .

والنَّظرة العَجْلى في كتاب الله الكريم يتبيَّن المرء منها أنَّ الأمر بالمعروف والنَّهي عن المُنكر وظيفة الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، فهذا خليل الرَّحمن إبراهيم عليه السلام ينهى عن المُنكر بيده حيث أعملها في الأصنام تكسيرًا فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِالْيَمِينِ (93) فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ يَزِفُّونَ (94) قَالَ

(1) - قال تعالى: وَالْعَصْرِ (1) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (2) إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (3)

(2) - قال تعالى: {يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُوْلَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ} (114) سورة آل عمران

(3) - سيد قطب - في ظلال القرآن 438.

(4) - القرطبي - الجامع لأحكام القرآن 4/ 173.

(5) - تفسير الطبري - (ج 7 / ص 102) برقم (7612) وبرقم (6932) و تفسير ابن كثير - (ج 2 / ص 103)

صحيح مرسل

الرعة (بكسر الراء وفتح العين) أصلها من الورع، مثل"العدة"من"الوعد". والرعة: الهدى وسوء الهيئة أو حسن الهيئة، أي هي بمعنى: الشأن والأمر والأدب. وفي حديث الحسن:"ازدحموا عليه فرأى منهم رعة سيئة فقال: اللهم إليك"،أي سوء أدب، لم يحسنوا الكف عما يشين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت