جاء به النبي - صلى الله عليه وسلم - المدلول عليه بآية (اْلَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي اْلأرْضِ ... ) الآية، ووليه هو القائم عليه الذي يرعاه ويقيمه، فإن لم يرعه ولم يقمه لم يصلح أن يكون وليًا له.
والعجب ممن يجعل كل متولٍ على المسلمين بأي شريعة يحكمهم وليُّ أمر شرعيٍّ، فليت شعري أفلا يتدبر هذا القائل - إن لم يؤت الفقه في الدين - اللفظ الظاهر على أقل تقدير، فأي (أمر) تولاه الحاكم بغير ما أنزل الله تعالى، حتى يستحق هذا الاسم، أهو أمر (دين الإسلام) أمر الله ورسوله، أم أمر المناهج الوضعية والنظم الطاغوتية، ويا للعجب فبأي شريعة يصح أن يكون متول إقامة الطاغوت حاكمًا بين العباد من دون الله تعالى، ولي أمر المسلمين، وأي أمر للمسلمين غير دينهم الذي قال الله تعالى عنه مُمتنًا عليهم: { .. الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا .. } (3) سورة المائدة، وقال تعالى: {وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لاَّ مُبَدِّلِ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} (115) سورة الأنعام، أي تمت كلمته الشرعية التي تضمنها كتابه المفصل الحاكم بين العباد، صدقًا في الأخبار، وعدلًا في الأحكام.
أنواع الحسبة بمفهومها العام:
وبناء على المفهوم الشرعي للحسبة والذي ذكرناه سابقًا، يمكن تقسيمها إلى ثلاثة أنواع:
النوع الأول: حسبة الدولة على الرعية:
ومقتضاها أن يكون ضمن مؤسسات الدولة ما يكون اختصاصه حفظ واجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في الأمة، ومراقبة حالة المجتمع ومدى تمثل مبادئ الإسلام فيه، وقد قدمنا آنفًا، أن نظام الدولة في حد ذاته في الشريعة الإسلامية، وسيلة لتحقيق هذا الأمر بمعناه العام.
النوع الثاني: حسبة الرعية على الدولة:
ولم نقل هنا حسبة الدولة على الدولة، لأن الحسبة الذاتية لا يمكن الاعتماد عليها في مثل هذه الحالة التي يتعلق بها مصير الأمة والمجتمع، فلهذا أقامت الشريعة الإسلامية هنا مبدأ الحسبة على الدولة منطلقًا من الأمة، وحمَّلتها مسؤولية تقييد السلطة بقيد هو احترام الدستور (الشريعة الإسلامية) وتقويم الدولة إذا انحرفت عنه.
تقييد السلطة ضرورة اجتماعية وفريضة شرعية:
وتقييد السلطة في الإسلام ضرورة اجتماعية، وذلك انطلاقًا من حقيقتين اثنتين: