فهرس الكتاب

الصفحة 246 من 410

الغربة، وتكلموا من غير تحفظ في القول فراسلهم الخليفة ببعض الخدم أننا قد أنكرنا ما أنكرتم، وتقدمنا بأن لا يقع معاودة , فانصرفوا) [1] .

وأما ما وقع من شيخ الإسلام ابن تيمية فكثير جدًا، فمن ذلك:

ما ذكره خادم الشيخ إبراهيم الغياني قال: (فبلغ الشيخ أن جميع ما ذكر من البدع يتعمدها الناس عند العمود المخلق الذي داخل(الباب الصغير) الذي عند (درب النافدانيين) فشد عليه وقام واستخار الله في الخروج إلى كسره، فحدثني أخوه الشيخ الإمام القدوة شرف الدين عبدالله بن تيمية قال: فخرجنا لكسره , فسمع الناس أن الشيخ يخرج لكسر العمود المخلق، فاجتمع معنا خلق كثير) [2] .

وشواهد التاريخ لا تحصى كثرة، والعاقل يعلم أن مثل هذه الوسائل السلمية للاحتجاج الجماعي إنما تتولد من النظام الاجتماعي نفسه، ومن كون الإنسان اجتماعيًا بطبعه، يجتمع مع بني جنسه فيما يتفقون عليه فهو أمر لا يخلو منه عصر، ولا يحتاج إلى فكر، وإنما تدفع إليه الحاجة، والناس إذا توافقوا تعاونوا، فالعجب ممن يظن أن هذه الوسائل حادثة، ومن طرائف الأخبار أن شابًا ممن اعتاد على إلغاء عقله بتقليد حزبه، ذكر له أن جماعة من الدعاة أقاموا تجمهرًا حشد له الناس في خيمة كبيرة بهدف إظهار النكير لإضعاف المنكر، وسئل هل يجيز هذا الأمر حزبه الذي يحرم التجمهر لأنه في زعمهم تشبه بالكفار ولم يفعله السلف، قال هذا يجوز لأنه تحت الخيمة، فقيل له أرأيت لو أزلنا الخيمة وكان ذلك كله في العراء، قال لا يجوز حينئذ لأنه مظاهرة، وعش تر ما لم تر!!!

الطريقة الثالثة التي سلكها المانعون لوسائل الاحتجاج السلمي هي:

وهي قاعدة سد الذرائع، وقالوا: إن هذه الوسائل غالبًا ما تفضي إلى مفاسد أرجح من المصالح التي تبتغي بها، وقد علم من دلائل الشريعة الكثيرة حظر ما يفضي إلى المفسدة، ويكتفى في اعتبار ذلك بغالب الأحوال إذ هي مثار غالب الظن الذي تنبني عليه الأحكام.

وهذا الطريق أسلم حجة استدل بها على المنع، غير أن المعلوم أن الذرائع تقدر بقدرها لا أكثر من قدرها، ويجب عند العمل بهذه القاعدة، أن يتوفر أمران:

الأول: العلم بأن الوسيلة هي حقًا ذريعة إلى مفسدة تربو على المصلحة، لا أن يكون ذلك بناء على الوهم أو ضرب من الوسوسة أو بدافع الخوف النفساني المجرد أو بناء على أحوال يختلف فيها القياس والتمثيل.

الثاني: أن لا يتجاوز بالذريعة قدرها فيؤدي إلى تحريم المباح أو تفويت مصالح شرعية محققة، فمثلًا إذا كان الاعتصام بغير إذن السلطة يفضي إلى مفسدة راجحة، فلا يحرم ما كان حقًا مكفولًا بحكم القانون إلا إذا أفضى إلى مثل ذلك، وقس على ذلك.

(2) - ص 10 رسالة بعنوان ناحية من حياة شيخ الإسلام ابن تيمية تحقيق محب الدين الخطيب

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت