الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ (2) وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ (3) أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ (4) لِيَوْمٍ عَظِيمٍ (5) يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (6) [المطففين/1 - 6] }،وَقَالَ فِي قِصَّةِ شُعَيْبٍ عليه السلامُ: {أَوْفُوا الْكَيْلَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُخْسِرِينَ (181) وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ (182) وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (183) [الشعراء/181 - 183] } .وَقَالَ تَعَالَى: وَلاَ تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنفُسَهُمْ إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبُّ مَن كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا} (107) سورة النساء، وَقَالَ: { .. وَأَنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ} (52) سورة يوسف. وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - «الْبَيِّعَانِ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا، فَإِنْ صَدَقَا وَبَيَّنَا بُورِكَ لَهُمَا فِى بَيْعِهِمَا، وَإِنْ كَذَبَا وَكَتَمَا مُحِقَتْ بَرَكَةُ بَيْعِهِمَا» [1] .
(1) - صحيح البخارى برقم (2110) ومسلم برقم (3937)
وفي فتح الباري لابن حجر - (ج 6 / ص 431)
وَقَدْ اِخْتَلَفَ الْقَائِلُونَ بِأَنَّ الْمُرَاد أَنْ يَتَفَرَّقَا بِالْأَبْدَانِ هَلْ لِلتَّفَرُّقِ الْمَذْكُور حَدٌّ يُنْتَهَى إِلَيْهِ؟ وَالْمَشْهُور الرَّاجِحُ مِنْ مَذْهَب الْعُلَمَاء فِي ذَلِكَ أَنَّهُ مَوْكُولٌ إِلَى الْعُرْف، فَكُلُّ مَا عُدَّ فِي الْعُرْفِ تَفَرُّقًا حُكِمَ بِهِ وَمَا لَا فَلَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
قَوْله: (فَإِنْ صَدَقَا وَبَيَّنَا) أَيْ صَدَقَ الْبَائِعُ فِي إِخْبَارِ الْمُشْتَرَى مَثَلًا وَبَيَّنَ الْعَيْبَ إِنْ كَانَ فِي السِّلْعَة، وَصَدَقَ الْمُشْتَرِي فِي قَدْرِ الثَّمَنِ مَثَلًا وَبَيَّنَ الْعَيْب إِنْ كَانَ فِي الثَّمَن، وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون الصِّدْقُ وَالْبَيَانُ بِمَعْنًى وَاحِدٍ وَذِكْرُ أَحَدِهِمَا تَأْكِيدٌ لِلْآخَرِ.
قَوْله: (مُحِقَتْ بَرَكَةُ بَيْعِهِمَا) يَحْتَمِل أَنْ يَكُون عَلَى ظَاهِرِهِ وَأَنَّ شُؤْمَ التَّدْلِيس وَالْكَذِب وَقَعَ فِي ذَلِكَ الْعَقْد فَمَحَقَ بَرَكَتَهُ، وَإِنْ كَانَ الصَّادِقُ مَأْجُورًا وَالْكَاذِبُ مَأْزُورًا. وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون ذَلِكَ مُخْتَصًّا بِمَنْ وَقَعَ مِنْهُ التَّدْلِيسُ، وَالْعَيْبُ دُونَ الْآخَرِ، وَرَجَّحَهُ اِبْن أَبِي جَمْرَة. وَفِي الْحَدِيثِ فَضْلُ الصِّدْقِ وَالْحَثُّ عَلَيْهِ وَذَمُّ الْكَذِبِ وَالْحَثُّ عَلَى مَنْعِهِ، وَأَنَّهُ سَبَبٌ لِذَهَابِ الْبَرَكَةِ، وَأَنَّ عَمَل الْآخِرَةِ يُحَصِّلُ خَيْرَيْ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ.