فهرس الكتاب

الصفحة 364 من 410

وَقَدْ ظَنَّ طَائِفَةٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ أَنَّ هَذِهِ الْمُشَارَكَاتِ مِنْ بَابِ الْإِجَارَاتِ بِعِوَضِ مَجْهُولٍ؛ فَقَالُوا: الْقِيَاسُ يَقْتَضِي تَحْرِيمَهَا. ثُمَّ مِنْهُمْ مَنْ حَرَّمَ الْمُسَاقَاةَ وَالزِّرَاعَةَ وَأَبَاحَ الْمُضَارَبَةَ اسْتِحْبَابًا لِلْحَاجَةِ؛ لِأَنَّ الدَّرَاهِمَ لَا يُمْكِنُ إجَارَتُهَا كَمَا يَقُولُ أَبُو حَنِيفَةَ. وَمِنْهُمْ مَنْ أَبَاحَ الْمُسَاقَاةَ إمَّا مُطْلَقًا كَقَوْلِ مَالِكٍ وَالْقَدِيمِ لِلشَّافِعِيِّ. أَوْ عَلَى النَّخْلِ وَالْعِنَبِ كَالْجَدِيدِ لِلشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّ الشَّجَرَ لَا يُمْكِنُ إجَارَتُهَا بِخِلَافِ الْأَرْضِ وَأَبَاحُوا مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ مِنْ الْمُزَارَعَةِ تَبَعًا لِلْمُسَاقَاةِ؛ فَأَبَاحُوا الْمُزَارَعَةَ تَبَعًا لِلْمُسَاقَاةِ كَقَوْلِ الشَّافِعِيِّ إذَا كَانَتْ الْأَرْضُ أَغْلَبَ. أَوْ قَدَّرُوا ذَلِكَ بِالثُّلُثِ كَقَوْلِ مَالِكٍ.

وَأَمَّا جُمْهُورُ السَّلَفِ وَفُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ فَقَالُوا: هَذَا مِنْ بَابِ الْمُشَارَكَةِ لَا مِنْ بَابِ الْإِجَارَةِ الَّتِي يُقْصَدُ فِيهَا الْعَمَلُ؛ فَإِنَّ مَقْصُودَ كُلٍّ مِنْهُمَا مَا يَحْصُلُ مِنْ الثَّمَرِ وَالزَّرْعِ؛ وَهُمَا مُتَشَارِكَانِ: هَذَا بِبَدَنِهِ وَهَذَا بِمَالِهِ كَالْمُضَارَبَةِ. وَلِهَذَا كَانَ الصَّحِيحُ مِنْ قَوْلَيْ الْعُلَمَاءِ: أَنَّ هَذِهِ الْمُشَارَكَاتِ إذَا فَسَدَتْ وَجَبَ نَصِيبُ الْمِثْلِ لَا أُجْرَةُ الْمِثْلِ فَيَجِبُ مِنْ الرِّبْحِ أَوْ النَّمَاءِ إمَّا ثُلُثُهُ وَإِمَّا نِصْفُهُ؛ كَمَا جَرَتْ الْعَادَةُ فِي مِثْلِ ذَلِكَ؛ وَلَا يَجِبُ أُجْرَةٌ مُقَدَّرَةٌ؛ فَإِنَّ ذَلِكَ قَدْ يَسْتَغْرِقُ الْمَالَ وَأَضْعَافَهُ، وَإِنَّمَا يَجِبُ فِي الْفَاسِدِ مِنْ الْعُقُودِ نَظِيرَ مَا يَجِبُ فِي الصَّحِيحِ، وَالْوَاجِبُ فِي الصَّحِيحِ لَيْسَ هُوَ أُجْرَةً مُسَمَّاةً؛ بَلْ جُزْءٌ شَائِعٌ مِنْ الرِّبْحِ مُسَمًّى فَيَجِبُ فِي الْفَاسِدَةِ نَظِيرُ ذَلِكَ وَالْمُزَارَعَةُ أَصْلٌ مِنْ الْمُؤَاجَرَةِ وَأَقْرَبُ إلَى الْعَدْلِ وَالْأُصُولِ؛ فَإِنَّهُمَا يَشْتَرِكَانِ فِي الْمَغْنَمِ وَالْمَغْرَمِ؛ بِخِلَافِ الْمُؤَاجَرَةِ [1] فَإِنَّ صَاحِبَ الْأَرْضِ تُسَلَّمُ لَهُ الْأُجْرَةُ

(1) - صحيح مسلم برقم (4038) عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ السَّائِبِ قَالَ دَخَلْنَا عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَعْقِلٍ فَسَأَلْنَاهُ عَنِ الْمُزَارَعَةِ فَقَالَ زَعَمَ ثَابِتٌ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - نَهَى عَنِ الْمُزَارَعَةِ وَأَمَرَ بِالْمُؤَاجَرَةِ وَقَالَ «لاَ بَأْسَ بِهَا» .

وفي شرح بلوغ المرام - (ج 220 / ص 16)

أما قوله: (نهى عن المزارعة) ، فهذا مما تقدم الكلام عليه، وحمل هذا على أنهم كانوا في أول الأمر يزارعون ما لا يستطيعون القيام بزرعه، فيقولون؛ جمعًا بين المزارعة في خيبر والمساقاة: كان المراد بذاك النهي الإرفاق: (من كانت عنده أرض فليَزرعها أو يُزرعها غيره) ، لديك أرض زائدة عنك، وعاجز عن زراعتها، أعطها لغيرك يزرعها، وكان ذلك في بادئ الأمر عند مجيء المهاجرين إلى المدينة، فكان فيه حث على مشاركة المهاجرين لمن عنده أرض عاجز عن زراعتها يقول له: أعطها له يزرعها، من باب المواساة، ثم بعد ذلك لما وسع الله على المسلمين أصبحت المزارعة والمؤاجرة والمساقاة سواء.

وفي سبل السلام - (ج 4 / ص 316)

وَفِي النَّهْيِ عَنْ الْمُزَارَعَةِ أَحَادِيثُ ثَابِتَةٌ وَقَدْ جُمِعَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْأَحَادِيثِ الدَّالَّةِ عَلَى جَوَازِهَا بِوُجُوهٍ أَحْسَنُهَا أَنَّ النَّهْيَ كَانَ فِي أَوَّلِ الْأَمْرِ لِحَاجَةِ النَّاسِ وَكَوْنِ الْمُهَاجِرِينَ لَيْسَ لَهُمْ أَرْضٌ فَأَمَرَ الْأَنْصَارَ بِالتَّكَرُّمِ بِالْمُوَاسَاةِ، وَيَدُلُّ لَهُ مَا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ قَالَ: {كَانَ لِرِجَالٍ مِنْ الْأَنْصَارِ فُضُولُ أَرْضٍ وَكَانُوا يُكْرُونَهَا بِالثُّلُثِ وَالرُّبْعِ فَقَالَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - مَنْ كَانَتْ لَهُ أَرْضٌ فَلْيَزْرَعْهَا أَوْ لِيَمْنَحْهَا أَخَاهُ فَإِنْ أَبَى فَلْيُمْسِكْهَا} وَهَذَا كَمَا نُهُوا عَنْ ادِّخَارِ لُحُومِ الْأُضْحِيَّةِ لِيَتَصَدَّقُوا بِذَلِكَ ثُمَّ بَعْدَ تَوَسُّعِ حَالِ الْمُسْلِمِينَ زَالَ الِاحْتِيَاجُ فَأُبِيحَ لَهُمْ الْمُزَارَعَةُ وَتَصَرُّفُ الْمَالِكِ فِي مِلْكِهِ بِمَا شَاءَ مِنْ إجَارَةٍ وَغَيْرِهَا، وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ مَا وَقَعَ مِنْ الْمُزَارَعَةِ فِي عَهْدِهِ - صلى الله عليه وسلم - وَعَهْدِ الْخُلَفَاءِ مِنْ بَعْدِهِ وَمِنْ الْبَعِيدِ غَفْلَتُهُمْ عَنْ النَّهْيِ وَتَرْكِ إشَاعَةِ رَافِعٍ لَهُ فِي هَذِهِ الْمُدَّةِ وَذِكْرِهِ فِي آخَرِ خِلَافَةِ مُعَاوِيَةَ.

قَالَ الْخَطَّابِيُّ قَدْ عَقَلَ الْمَعْنَى ابْنُ عَبَّاسٍ وَأَنَّهُ لَيْسَ الْمُرَادُ تَحْرِيمَ الْمُزَارَعَةِ بِشَطْرِ مَا تُخْرِجُهُ الْأَرْضُ، وَإِنَّمَا أُرِيدَ بِذَلِكَ أَنْ يَتَمَانَحُوا وَأَنْ يَرْفُقَ بَعْضُهُمْ بِبَعْضٍ انْتَهَى.

وَعَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ يَغْفِرُ اللَّهُ لِرَافِعٍ أَنَا وَاَللَّهِ أَعْلَمُ بِالْحَدِيثِ مِنْهُ إنَّمَا أَتَاهُ رَجُلَانِ مِنْ الْأَنْصَارِ قَدْ اخْتَلَفَا فَقَالَ إنْ كَانَ هَذَا شَأْنُكُمْ فَلَا تُكْرُوا الْمَزَارِعَ"كَأَنَّ زَيْدًا يَقُولُ إنَّ رَافِعًا اقْتَطَعَ الْحَدِيثَ فَرَوَى النَّهْيَ غَيْرَ رَاوٍ أَوَّلَهُ فَأَخَلَّ بِالْمَقْصُودِ، وَأَمَّا الِاعْتِذَارُ عَنْ جَهَالَةِ الْأُجْرَةِ فَقَدْ صَحَّ فِي الْمُرْضِعَةِ بِالنَّفَقَةِ وَالْكِسْوَةِ مَعَ الْجَهَالَةِ قَدْرًا وَلِأَنَّهُ كَالْمَعْلُومِ جُمْلَةً لِأَنَّ الْغَالِبَ تَقَارُبُ حَالِ الْحَاصِلِ وَقَدْ حُدَّ بِجِهَةِ الْكَمِّيَّةِ أَعْنِي النِّصْفَ وَالثُّلُثَ، وَجَاءَ النَّصُّ فَقَطَعَ التَّكَلُّفَاتِ"

المحلى بالآثار - (ج 1 / ص 3446) وشرح النيل وشفاء العليل - إباضية - (ج 18 / ص 204) وأسنى المطالب - (ج 12 / ص 73) وتحفة المحتاج في شرح المنهاج - (ج 24 / ص 257) والقواعد النورانية الفقهية - الرقمية - (ج 1 / ص 163)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت