فهرس الكتاب

الصفحة 407 من 410

فَلَا يَمْنَعُ وُجُوبَ بَذْلِ مَنَافِعِ الْأَمْوَالِ لِلْمُحْتَاجِ وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: {وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إذَا مَا دُعُوا} (282) سورة البقرة، وَقَالَ: {وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ} (282) سورة البقرة،.

وَلِلْفُقَهَاءِ فِي أَخْذِ الْجُعْلِ عَلَى الشَّهَادَةِ أَرْبَعَةُ أَقْوَالٍ [1] ؛ هِيَ أَرْبَعَةُ أَوْجُهٍ فِي مَذْهَبِ أَحْمَد وَغَيْرِهِ:

(أَحَدُهَا: أَنَّهُ لَا يَجُوزُ مُطْلَقًا.

وَ (الثَّانِي لَا يَجُوزُ إلَّا عِنْدَ الْحَاجَةِ.

وَ (الثَّالِثُ يَجُوزُ إلَّا أَنْ يَتَعَيَّنَ عَلَيْهِ.

وَ (الرَّابِعُ يَجُوزُ. فَإِنْ أَخَذَ أَجْرًا عِنْدَ الْعَمَلِ لَمْ يَأْخُذْ عِنْدَ الْأَدَاءِ.

وَهَذِهِ الْمَسَائِلُ لِبَسْطِهَا مَوَاضِعُ أُخَرُ.

وَالْمَقْصُودُ هُنَا: أَنَّهُ إذَا كَانَتْ السُّنَّةُ قَدْ مَضَتْ فِي مَوَاضِعَ بِأَنَّ عَلَى الْمَالِكِ أَنْ يَبِيعَ مَالَهُ بِثَمَنِ مُقَدَّرٍ: إمَّا بِثَمَنِ الْمِثْلِ وَإِمَّا بِالثَّمَنِ الَّذِي اشْتَرَاهُ بِهِ: لَمْ يَحْرُمْ مُطْلَقًا تَقْدِيرُ الثَّمَنِ. ثُمَّ إنَّ مَا قَدَّرَ بِهِ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - فِي شِرَاءِ نَصِيبِ شَرِيكِ الْمُعْتِقِ هُوَ لِأَجْلِ تَكْمِيلِ الْحُرِّيَّةِ؛ وَذَلِكَ حَقُّ اللَّهِ، وَمَا احْتَاجَ إلَيْهِ النَّاسُ حَاجَةً عَامَّةً فَالْحَقُّ فِيهِ لِلَّهِ؛ وَلِهَذَا يَجْعَلُ الْعُلَمَاءُ هَذِهِ حُقُوقًا لِلَّهِ تَعَالَى وَحُدُودًا لِلَّهِ؛ بِخِلَافِ حُقُوقِ الْآدَمِيِّينَ وَحُدُودِهِمْ وَذَلِكَ مِثْلُ حُقُوقِ الْمَسَاجِدِ وَمَالِ الْفَيْءِ؛ وَالصَّدَقَاتِ وَالْوَقْفِ عَلَى أَهْلِ الْحَاجَاتِ وَالْمَنَافِعِ الْعَامَّةِ وَنَحْوِ ذَلِكَ [2] وَمِثْلِ حَدِّ الْمُحَارَبَةِ وَالسَّرِقَةِ وَالزِّنَا وَشُرْبِ الْخَمْرِ؛ فَإِنَّ الَّذِي يَقْتُلُ شَخْصًا لِأَجْلِ الْمَالِ يُقْتَلُ حَتْمًا بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ؛ وَلَيْسَ لِوَرَثَةِ الْمَقْتُولِ الْعَفُوُّ عَنْهُ؛ بِخِلَافِ مَنْ يَقْتُلُ شَخْصًا لِغَرَضِ خَاصٍّ؛ مِثْلَ خُصُومَةٍ بَيْنَهُمَا؛ فَإِنَّ هَذَا حَقٌّ لِأَوْلِيَاءِ الْمَقْتُولِ؛ إنْ أَحَبُّوا قَتَلُوا وَإِنْ أَحَبُّوا عَفَوْا بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ [3] .

وَحَاجَةُ الْمُسْلِمِينَ إلَى الطَّعَامِ وَاللِّبَاسِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ مَصْلَحَةٍ عَامَّةٍ: لَيْسَ الْحَقُّ فِيهَا لِوَاحِدِ بِعَيْنِهِ؛ فَتَقْدِيرُ الثَّمَنِ فِيهَا بِثَمَنِ الْمِثْلِ عَلَى مَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ الْبَيْعُ أَوْلَى مِنْ تَقْدِيرِهِ لِتَكْمِيلِ الْحُرِّيَّةِ؛ لَكِنَّ تَكْمِيلَ الْحُرِّيَّةِ وَجَبَ عَلَى الشَّرِيكِ الْمُعْتِقِ؛ فَلَوْ لَمْ يُقَدِّرْ فِيهَا الثَّمَنَ لَتَضَرَّرَ بِطَلَبِ الشَّرِيكِ الْآخَرِ مَا شَاءَ، وَهُنَا عُمُومُ النَّاسِ عَلَيْهِمْ شِرَاءُ الطَّعَامِ وَالثِّيَابِ لِأَنْفُسِهِمْ؛ فَلَوْ مُكِّنَ مَنْ يَحْتَاجُ إلَى سِلْعَتِهِ أَنْ لَا يَبِيعَ إلَّا بِمَا شَاءَ لَكَانَ ضَرَرُ النَّاسِ أَعْظَمَ. وَلِهَذَا قَالَ الْفُقَهَاءُ [4] : إذَا اُضْطُرَّ الْإِنْسَانُ إلَى طَعَامِ الْغَيْرِ كَانَ عَلَيْهِ بَذْلُهُ لَهُ بِثَمَنِ الْمِثْلِ فَيَجِبُ الْفَرْقُ بَيْنَ مَنْ عَلَيْهِ أَنْ يَبِيعَ وَبَيْنَ مَنْ لَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يَبِيعَ، وَأَبْعَدُ

(1) - المجموع شرح المهذب - (ج 13 / ص 40) والطرق الحكمية - (ج 1 / ص 354)

(2) - فتاوى ورسائل محمد بن إبراهيم آل الشيخ - (ج 7 / ص 50) 1574 ـ التسعير منه ما هو ظلم، ومنه ما هو عدل واجب) والمجموع شرح المهذب - (ج 13 / ص 40) والطرق الحكمية - (ج 1 / ص 354)

(3) - قال تعالى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلاَّ خَطَئًا وَمَن قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَئًا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلاَّ أَن يَصَّدَّقُواْ فَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ عَدُوٍّ لَّكُمْ وَهُوَ مْؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ وَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِّيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةً فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِّنَ اللهِ وَكَانَ اللهُ عَلِيمًا حَكِيمًا} (92) سورة النساء

(4) - المجموع شرح المهذب - (ج 13 / ص 41) والطرق الحكمية - (ج 1 / ص 355)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت